في العشرين من نوفمبر الماضي اختار الأوروبيون رئيس وزراء بلجيكا هيرمان فإن رومبي، الديمقراطي المسيحي، ليكون أول رئيس لعموم أوروبا الاتحادية. كما عينوا البريطانية كاثرين أشتون ممثلة لسياستهم الاتحادية الخارجية، خلفاً للمخضرم خافيير سولانا الذي تبوأ هذا المنصب عشر سنوات بكاملها.

ردود الأفعال القارية الأوروبية والخارجية التي استقبل بها هذان القياديان، تقدم صورة من قريب عن صيرورة التجربة الاتحادية الأوروبية ومواقف الآخرين منها.

فداخل الإطار القاري ودول الاتحاد، تباينت هذه الردود بين أغلبية مؤيدة وأقلية معارضة وقطاع من المترددين المتربصين؛ المنتظرين لنتائج هذه التطورات على أرض الواقع. وقد انصب معظم الأصداء على جديد التجربة الاتحادية المتمثل في تقعيد رئيس لها، في تعبير عن قفزة نوعية كبيرة داعبت أحلام التيار الاتحادي عشرات السنين.

والواضح أن هذه الخطوة قد تمت بهدوء، بحيث إنها لم تلفت أنظار غير المختصين بمتابعة التجربة عن كثب. ولعلنا لا نبالغ حين ندفع بأن العرب، جيران الأوروبيين على الشاطئ الجنوبي للمتوسط، لم يقدروا الخطوة حق قدرها، الأمر الذي تجلى في غياب المواقف الرسمية تجاهها وفتور التعليقات الفكرية والصحافية عليها.

لكن الحقيقة أن الاتحاد الأوروبي أصبح له الآن رئيس واحد. وقد لا يكون اختيار هذا الرئيس من بلجيكا جاء مصادفة أو عفو الخاطر. الأرجح أنه كان اختياراً مقصوداً مع سبق الإصرار، بحسبه إيماءة تكريمية لواحدة من أكثر دول القارة عطفاً على التجربة الاتحادية، وكانت عاصمتها ولا تزال بمثابة العاصمة التوافقية لهذه التجربة؛ التي احتضنت مطولاً أغلب مؤسساتها.

ضمن الملاحظات الأولية على هذا التطور الفارق، يصح التوقف عند رأي بعض القوى الأوروبية في الرجل الذي قدر له أن يكون أول رؤساء أوروبا في التاريخ. فقد صرح أقطاب جماعة الخضر في البرلمان الأوروبي بأن رومبي شخص ضعيف وباهت.. ومضى آخرون إلى أن الرئيس الأوروبي والممثلة الجديدة للسياسة الخارجية ليس لهما وزن سياسي، بل ولعلهما مجهولان حتى داخل أوروبا ذاتها، وأن الدول الأوروبية الكبرى، والمقصود بها عادة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ستظل مهيمنة على القارة.

للوهلة الأولى، قد يكون هذا التقدير صحيحاً بصفة عامة، على الرغم من جنوحه إلى المبالغة في إظهار السلبية وإدارة الظهر للرئيس الأوروبي العتيد. بيد أن ما يجب الانتباه له أن الأوروبيين ربما تعمدوا مثل هذا الاختيار بهذه المواصفات، نزولاً عند تقليد لازم تجربتهم الاتحادية منذ بداياتها.. وقوامه التدرج والارتقاء بالتجربة دون حرق للمراحل، والعمل بالتوافق على نحو يرضي الدول الصغرى ولا يغضب الدول الكبرى، ولا يثير مخاوف القوى المعنية بتوازن القوى دولياً.

ليس هنا مقام الاستطراد إلى ما ينبغي أو يفترض على العرب استشعاره من غيرة، وربما حسرة على تجربتهم الوحدوية المتعثرة، وهم يلحظون التقدم في التوجه الوحدوي لدى جيرانهم اللدودين شمالا..

لكن بعض ما يوجب الاهتمام في هذا السياق، هو تزامن التطورات الأوروبية المشار إليها مع الإعلان الأوروبي الأخير بشأن مستقبل مدينة القدس والتسوية الفلسطينية. فقد أظهر بعض العرب الامتعاض من السقف المنخفض الذي انتهى إليه الأوروبيون في هذا الإعلان، قياساً بمقترح أولي تبنته السويد؛ كان مفاده المبادرة إلى الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، بشكل صريح وفي أجل قريب.

والحق، أنه لو كان لدى هؤلاء الممتعضين دراية بأسلوب أو منهج الأوروبيين في مقاربة شؤونهم الداخلية والقضايا الساخنة دولياً، لتفهموا هذا الموقف الأوروبي، بل ولما توقعوا ما هو أبعد منه.

بانتخاب شخصية شاحبة سياسياً كأول رئيس لهم، توخى الأوروبيون تسكين ثائرة الشوفينيين المتعصبين لتواريخهم الوطنية (القومية)، وعدم استفزاز القوى المتحسبة لقيام الولايات المتحدة الأوروبية بقوة 27 دولة قابلة للزيادة والتمدد.

بدون تفهم هذه المنهجية الأوروبية، منهجية اللامفاجآت واللاصدمات، لن يتمكن الكثيرون من تفسير ردود كل الأطراف المعنيين الإيجابية على الموقف الأوروبي من المبادرة السويدية، فالفلسطينيون والإسرائيليون والأميركيون وسواهم، هؤلاء جميعاً وجدوا في هذا الموقف ما يتسق وتوجهاتهم.

ومع ما يستقي من هذه الخبرة الدبلوماسية في التلاقي مع كل الأطراف، يظل السؤال مشروعاً عما إذا كان الأوروبيون قادرين دوماً على إدراك المسافة الحساسة بين التوفيق في المواقف وبين تلفيق هذه المواقف؟ إذ إن الحسم والوضوح سوف يكونان مطلوبين في لحظة بعينها، قد تدهمهم في أي وقت.

كاتب وأكاديمي فلسطيني