زاحم الرئيس أوباما التيار اليساري في خطابه لدى تسلمه جائزة نوبل للسلام قبل أيام، عندما طرح شعارات الحرب العادلة، ليبرر منحه الجائزة، رغم أنه رئيس إدارة تشن ثلاثة حروب في آن واحد.
وكان منظرو الحركات التقدمية واليسارية في العالم، قد طرحوا هذا الشعار في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكانوا يقصدون به الحروب التي تشنها الدول لتحرير أرضها المحتلة، أو الشعوب وحركاتها التحررية ضد المستعمر أو المحتل الأجنبي، ولم يكن لهذا الاصطلاح (أي الحرب العادلة) في أي يوم معنى يمكن أن يعطى للحرب الاستباقية، أو الحروب ضد أنظمة دكتاتورية أو ضد حركات إرهابية، كما حاول الرئيس أوباما وإدارته تفسير الحروب التي تشنها جيوشهم، ضد دول وشعوب وحركات خارج الولايات المتحدة.
تعني الحروب العادلة عادة ثورة الشعوب ضد مستعمريها، أو تلك الحروب التي تشنها الدول لتحرير أرضها المحتلة، كما كان حال حرب أكتوبر 1973 التي شنها العرب ضد الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم في سيناء والجولان، أو الانتفاضات المسلحة ضد المستعمرين أو المتسلطين على الشعوب ومقدراتها، ولكنها لم تكن يوماً مطابقة للتعريف الذي أعطاه الرئيس أوباما لها أو للصفة التي أطلقها عليها.
فأي حرب عادلة هذه التي شنتها الجيوش الأميركية بأوامر إدارة الرئيس بوش على العراق، بحجة أنها حرب استباقية ضد من يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وقد تبين فيما بعد، ويتكشف الآن كل يوم، أن الإدارة لم تكن تمتلك أي دليل يؤكد أو حتى يشير إلى امتلاك العراق مثل هذه الأسلحة!
وقد اقتنع العالم اليوم، بعد ست سنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق، أن تهمة امتلاك هذه الأسلحة هي خدعة كبرى، وكذبة كبرى، وأن أسباب الغزو العسكري هي أسباب تختلف عما أعلنته الإدارة على شعبها، وما قدمته للكونغرس طالبة موافقته!
وأي حرب عادلة هذه التي دمرت العراق بحيث تستغرق إعادة بنائه عشرات السنين القادمة ومئات مليارات الدولارات، وأدت إلى قتل (بل إبادة) مليون عراقي، وتشريد وتهجير أربعة ملايين، وتفكيك بنية الدولة العراقية ومركزيتها، وحولت التنوع الثقافي والديني والمذهبي والاجتماعي في العراق إلى صراعات بين المواطنين والإخوة أبناء الشعب الواحد، وذلك كله تحت شعار «الحرب العادلة ضد أسلحة الدمار الشامل» أو «الحرب الاستباقية ضد الإرهاب»!
وكذلك، أية حرب عادلة هذه التي شنتها القوات الأمريكية على أفغانستان، ذلك البلد الذي لم تكن تنقصه عوامل التخلف والفقر والمرض، تحت شعار اجتثاث منابع الإرهاب، أو الحرب ضد الإرهاب خارج الولايات المتحدة وقبل وصوله إليها!
ومن المعلوم لدى الرئيس أوباما وإدارته أن تنظيم طالبان الذي كان يحكم أفغانستان (وهو صناعة باكستانية أمريكية)، لم يكن لا إرهابياً ولا يخرّج إرهابيين، ولم يقم بأية عملية عسكرية خارج بلاده، وأن عملياته كلها هي ضد جيوش الأطلسي الغازية، ولم تكن علاقة طالبان بالقاعدة علاقة تنظيمية، كما أن القاعدة تتموضع الآن خارج أفغانستان.
وبالتالي لا حاجة للحرب الأمريكية على هذا البلد حتى حسب معايير الإدارة، فهي ليست حرباً وقائية أو استباقية أو عادلة، فأي عدل في هذه الحرب التي تشن فيها جيوش الأطلسي يومياً عشرات الهجمات العسكرية على المدنيين الأفغانيين البائسين، وكأنه لا يكفيهم ما هم فيه من تخلف وجوع وجهل؟ ومع ذلك يسمي الرئيس أوباما هذه الحرب بالحرب العادلة أو الحرب الأخلاقية!
وللمراقب أو الإنسان المتابع في أي بلد في العالم، أن يتساءل: إذا كانت حروب الولايات المتحدة (وحلف شمال الأطلسي) في العراق وأفغانستان حرباً عادلة، فما هي الحرب غير العادلة إذن؟ وهل كانت لجنة جائزة نوبل للسلام مقتنعة بأن حروب الولايات المتحدة عادلة لتمنح رئيسها جائزة؟ وهل تكفي النيات لمنحها؟
يبدو أن الرئيس أوباما يصر على أن الحروب الاستعمارية كلها، وغزو الدول العظمى العسكري للشعوب الضعيفة تحقيقاً للمصالح الأمريكية، هي حروب عادلة، أما الحروب غير العادلة في نظره فهي دفاع العراقيين والأفغانيين عن أرضهم، ورفضهم الوجود العسكري الأجنبي، إضافة لنوع آخر من الحروب غير العادلة في نظره أيضاً، وهو دفاع الفلسطينيين عن أرضهم ومقاومتهم للاحتلال والصلف والهمجية الصهيونية، وهذا ما يعتبره إرهاباً!
أما الاحتلال الصهيوني، والاستيطان، وتدمير بيوت الفلسطينيين، وتهجيرهم، وسجن الآلاف منهم بدون تهمة، وحصارهم وتجويعهم وقتلهم اليومي، فهو نتائج طبيعية للحرب العادلة والحرب الأخلاقية الإسرائيلية!
ثم ألا يبرر بآرائه هذه للرئيس بوش شنه هذه الحروب الظالمة والمدمرة، بعد أن أعلن في حملته الانتخابية أنه ضدها بدون تحفظ، بل إنه كان من القلة النادرة التي رفضت موافقة الكونغرس على شن هذه الحرب؟!
عندما نستمع لتصريحات وخطب الرئيس أوباما، نعتقد أنه نصير، بل حليف لحركات التحرر والشعوب المستضعفة، ويكاد يخطف شعارات منظري هذه الحركات وتلك الشعوب وساستها، وعندما نراقب تنفيذه لسياساته نصاب بالإحباط، فهل سيستمر الرئيس في قول ما يرضي الناس وعمل ما يرضي الاحتكارات ومصالحها؟
يبدو أن الرئيس أوباما استحسن لفظ الكلمة وتذكّر أنها من صناعة القوى التحررية، وربما تذكره بشبابه الأول عندما كان فقيراً ويعيش في كنف فقراء أندونيسيا!
كاتب سوري
