نجحت الدبلوماسية الأميركية في الاستفادة من حاجة إيران إلى الوقود النووي لمفاعل طهران المخصص للأبحاث، لتحويل ذلك إلى صفقة رعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتشاور مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي زائداً ألمانيا، يتم فيها شحن 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب (5 .3%) إلى روسيا، وإعادته إلى طهران بعد أن يخصب إلى 20%. وقد سبق أن وافقت إيران على هذه الصفقة التي تطمئن المجتمع الدولي وتلبي حاجة طهران من الوقود النووي.
ولكن هذه الصفقة أحبطت من قبل مجلس الشورى الإيراني الذي ارتأى أن مصلحة إيران تتطلب الإبقاء على اليورانيوم الذي لديها، وشراء الوقود النووي لمفاعل الأبحاث في صفقة منفصلة، أو الاستغناء عن هذا المفاعل، بحجة أنه أصبح قديماً وأن صلاحيته للعمل قد انتهت وينبغي القيام بإغلاقه.
إلا أن طهران أمام استحقاق زمني محدد وهو نهاية العام الحالي، وتتعرض لضغوط شديدة، وعليها أن تفصح عن موقفها الرسمي، إما بالموافقة على المضي قدماً في إتمام الصفقة تلافياً لعقوبات جديدة تفرض عليها، أو رفضها ومواجهة موقف دولي أشد صرامة.
فضلت طهران الإمساك بالعصا من منتصفها، هكذا جاء العرض الأخير الذي قدمته على لسان وزير خارجيتها منوشهر متكي لتبادل 400 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب بوقود جاهز لمفاعلها، على أن يتم التبادل في جزيرة كيش، وهي منطقة حرة تابعة لإيران.
قوبل هذا العرض ببرود، فقد علقت عليه الولايات المتحدة بالقول إنه لا يرقى إلى العرض الذي قدمته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولن ينقذ إيران من عقوبات جديدة ترفع من مستوى الاحتواء. فواشنطن وحلفاؤها بصدد إعداد حزمة من المقترحات بشأن العقوبات الجديدة، تشمل منع الاستثمارات في الصناعات النفطية والغازية في إيران، وفرض قيود جديدة على مؤسساتها المالية.
العرض الإيراني يأتي تعبيراً عن موقف لا تخفيه طهران، وهو عدم ثقتها بالدول الغربية من جهة، ويأتي منسجماً مع استراتيجيتها في حماية برنامجها النووي للوصول به إلى نقطة اللا عودة ووضع العالم أمام الأمر الواقع من جهة أخرى.
طهران عادة لا ترد على العروض التي أمامها إلا في الأيام الأخيرة من الفرصة المتاحة لها، بعد أن تصل الأزمة إلى أشدها، ويكون الرد عادة متسماً بطابع يسمح بانفراج نسبي للأزمة أو استمرارها في سياقات أخرى، مما يفت في عضد الطرف الآخر ويضعه في سياق يجعله غير قادر على القيام بتحشيد دولي لفرض عقوبات جديدة.
الرد الإيراني على العرض الدولي يعني دعوة إلى المفاوضات من جديد، وإبعاد شبح العقوبات كسباً للوقت. ولو حظي الشق الأول من هذا العرض بالموافقة، بعد جدل طويل وأخذ ورد، يبقى الشق الثاني منه، وهو مكان التبادل، مثيراً للمزيد من الجدل والمفاوضات. والحقيقة أن سعي إيران وحرصها على الإفلات من العقوبات، يتناقض مع ما ذهب إليه الوزير متكي في تصريحه مؤخراً من أن طهران لن تتأثر برفع سقف العقوبات عليها.
لا شك أن صانعي القرار في طهران يدركون جيداً أن بلادهم ليست عضواً في حلف دفاعي يقيهم تقلبات الوضع في العالم، ويدركون كذلك أن الورقة الإيرانية، حتى لدى من تعتبرهم أصدقاءها، هي مثل غيرها من الأوراق حين تكون على مائدة مفاوضات الدول الكبرى، التي تحسم القرارات فيها وفق المصالح المتبادلة، الآنية أو المستقبلية، التي تترتب على مواقفها.
أما على مستوى التناسق والانسجام بين ما تدعيه إيران وتروج له وبين ما تخطط له، فقد فشلت طهران في تسويق نفسها في منطقة الشرق الأوسط كعامل بناء وقوة اعتدال وداعية استقرار، ليس من خلال قراءة حدث واحد يتصل بتداعيات سياساتها، وإنما من خلال قراءة وتقييم مجمل ما يتمخض عن سياساتها في المنطقة، مما يعزز التخوف والتوجس من حقيقة النوايا الكامنة خلف برنامجها النووي.
فقد صدر أكثر من تصريح عن أكثر من مسؤول في أكثر من دولة شرق أوسطية، بأن سعي طهران للحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية أمر لا غبار عليه، إلا أنه، في الوقت نفسه، يبدي تحفظه على مدى قدرة إيران على إزالة القلق والمخاوف التي تعتري دول المنطقة.
إيران لم تعد تخفي رغبتها بأن على الغرب أن يتقبل دورها في المنطقة، ففي تصريح مهم أدلى به الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في معرض تعليقه على العرض الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلن عن الحجم الذي يتصوره لدور بلاده قائلاً: «الغربيون يعرفون أنه في غياب التفاعل مع إيران، لن يكون في مقدورهم أن يحكموا العالم».
وأعلن عن رغبة طهران في الاستمرار في تخصييب اليورانيوم حتى الوصول إلى نسبة 20%، في تحد كبير لإرادة الكبار وتصعيد يستفيد منه على مستوى الداخل الإيراني. ولا يفوت المتابع للشأن الإيراني أن يلحظ أن تصريحات مدوية كهذه، تأتي حين تجد المؤسسة الإيرانية نفسها أمام مأزق داخلي لم يعد بإمكانها تجاهله والتقليل من أهميته سوى بمحاولات لإبعاد النظر عنه.
الموقف الإيراني أضعف من ذي قبل، لأسباب خارجية وداخلية. فعلى المستوى الخارجي تطورت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، خاصة ما يتعلق منها بتراجع الولايات المتحدة عن نشر الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ في بولندا وتشيكيا، والاتفاق على بديل لمعاهدة ستارت، قد شكل قاعدة تسمح للولايات المتحدة بأن تطمئن إلى عدم ممانعة روسيا في رفع سقف العقوبات على إيران.
أما على المستوى الداخلي، فإن حجم المعارضة لحكومة الرئيس نجاد في تصاعد، على الرغم من أن قادة هذه المعارضة لم يتبنوا موقفاً أكثر مرونة من موقف نجاد في ما يتعلق بالبرنامج النووي، بل عمدوا إلى استغلال الحلقات الضعيفة في مقاربات إدارة الرئيس نجاد للإحراج.
فقد اتهم الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي حكومة نجاد، بأن تطرفها قد خلق الظروف التي تساعد الغرب على رفع سقف العقوبات على إيران، وفي تعليقه على شروط التبادل النووي في موقعه على الانترنت، تساءل ساخراً: هل للحصول على كمية قليلة من الوقود، بات علينا تسليم كل إنتاجنا من اليورانيوم، أهذا انتصار أم خداع؟
فهل ستتمكن طهران مرة أخرى من الإفلات من عقوبات جديدة؟ أم تتمكن الولايات المتحدة من تنفيذ أجندتها والحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي لتبني سقف عقوبات أعلى ضد إيران؟
كاتب عراقي
