أصدرت المحكمة الدستورية في تركيا قرارا الجمعة الماضي، بحظر حزب «المجتمع الديمقراطي» الموالي للأكراد ومنع كبار قادته من ممارسة العمل السياسي، بتهمة ارتباطه بحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.
وبهذا الحكم القضائي تعود المسألة الكردية في تركيا الى الأضواء، بعدما كانت قد بدأت ترجع الى الخلفية في ظل السياسة التي يتبعها حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وكان وزير الداخلية التركي بشير اتالاي قد أعلن أمام البرلمان الشهر الماضي، عددا من الإجراءات لتحسين حقوق الأكراد، تتضمن خصوصا السماح للمدن الكردية التي تحولت أسماؤها على مر السنين الى أسماء تركية، باستعادة أسمائها الأصلية.
ومن بين الإجراءات تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ولا سيما في منطقة جنوب شرق تركيا التي يشكل الأكراد غالبية سكانها.
وهناك إجراء ثالث بالسماح باستخدام اللغة الكردية في الحياة السياسية، بعد أن كان استخدام التركية إلزاميا. وكانت الحكومة قد اتخذت من قبل إجراءات لزيادة الحقوق الثقافية للأكراد، منها السماح لهم بإنشاء قناة تلفزيونية خاصة، وقد سمحت الحكومة لها على مدار اليوم.
ولإظهار رغبته في المضي قدما على طريق الإصلاحات الديمقراطية، قدم حزب العدالة والتنمية مشروع قانون للبرلمان، يخفف العقوبات التي تفرض على الأطفال الأكراد الذين يتم اعتقالهم خلال التظاهرات المؤيدة لحزب العمال الكردستاني المحظور. وحاليا يحاكم الصبية الذين يرشقون قوات الأمن بالحجارة خلال هذه التظاهرات، على أنهم إرهابيون ومن ثم يواجهون عقوبات قد تصل الى السجن 20 عاما.
وفي ظل هذا الوضع فإن الحكم الذي صدر عن المحكمة العليا، التي تمثل احد معاقل النخبة العلمانية التركية، يؤكد أن هناك انقساما في تركيا واختلافا في وجهات النظر حول سبل التعاطي مع المسألة الكردية.
وهو الأمر الذي دفع البرلمان الى تأجيل مناقشة الخطة الحكومية التي ترمي الى إنهاء التمرد الكردي المستمر منذ ربع قرن بعد احتجاج أحزاب المعارضة، حيث اتهمت الحكومة بالرضوخ للإرهابيين وتقويض الوحدة الوطنية.
كل ذلك في الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن عملية التحول الديمقراطي، ستحل مشكلة الإرهاب التي تستند الى عرقية وطنية. وهذا يعني إيجاد بيئة مساعدة حيث يشعر كل واحد انه مواطن على قدم المساواة داخل الدولة، ولا يُنظر إليه على أنه «آخر» حسب قول وزير الداخلية التركي الذي أكد أن المبادرة الحكومية لن تشمل أبدا أي عناصر يعطلون هيكلنا الوحدوي ووحدتنا، لان مشروع الحكومة قائم على الوحدة الوطنية والأخوة.
والحاصل أن أسلوب التعاطي مع المسألة الكردية في تركيا، يعد واحدا من القضايا التي ما زالت النخبة التركية تنقسم حولها، فضلا عن أنها تعد واحدة من تلك التي ما زالت النخبة العلمانية تستثمرها للنيل من حزب العدالة والتنمية، ذلك أن استمرار الأزمة يعني أن الحزب فشل في القضاء على حزب العمال الكردستاني.
كما أن المؤسسة العسكرية ترى أن إنهاء المسألة الكردية، يمكن أن يقلل الى حد كبير من نفوذها في المجتمع التركي، بالنظر الى أن أصواتا يمكن أن ترتفع مطالبة الجيش بالتخلي عن الاهتمام بالسياسة، والرجوع لثكناته إلى الأبد.
وهذا الامر المتعلق بعدم حل المسألة الكردية وفقا لمعايير حقوق الإنسان والمواطنة، سيكون له تأثير سلبي آخر على تركيا في ما يتعلق بارجاء انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي يشترط معايير خاصة لعضويته، منها تلك المتعلقة بحقوق الأقليات العرقية والمواطنة وحقوق الإنسان.
ويبدو أن النخبة العلمانية التي تشتاق فعلا إلى الانضمام ومستعدة لتقديم تنازلات متعددة، لا تريد المغامرة في ما يتعلق بالأقلية الكردية، كأن تقدم الحلول المطلوبة ثم ترفض أوروبا انضمام تركيا، وبالتالي فإن تحقيق خطوات متقدمة على صعيد الانضمام الى أوروبا، يمكن أن يكون حافزا لتركيا لاتخاذ خطوات متقدمة على صعيد حل المسألة الكردية وفق المعايير المشار إليها.
من جانب آخر، لا بد من وضع التطورات العراقية في الاعتبار ونحن نتحدث عن المسألة الكردية في تركيا، ذلك أن مجمل هذة التطورات تؤكد أن الدولة الكردية في كردستان العراق أصبحت مرتقبة، وهو ما سيعطي زخما لأكراد تركيا، للمطالبة بنفس المكاسب التي حققها أشقاؤهم العراقيون.
وفي الوقت الذي يرى فيه حزب العدالة والتنمية أن المشروع الذي أعده والحقوق التي تضمنها للأقلية الكردية، سيمنعها من المطالبة بنفس ما تحقق للعراقيين، فإن النخبة القومية والعسكرية ترى أنها ستكون فرصة للمطالبة بالمزيد، وأنها ستساعد الأكراد على وجود بنية أساسية ثقافية وسياسية واجتماعية للدولة، بما يقوي من العناصر ذات النزعة الانفصالية.
وهم في هذا المجال يستشهدون بالتجربة العراقية ذاتها، حيث حصل الأكراد بعد الاحتلال الامريكي على الحقوق التي أسست لهم البنية الأساسية للدولة. وبالطبع فان حزب العدالة والتنمية يدرك كل هذه التحفظات، لكنه ينطلق من أرضية مختلفة.
وهي أن الانضمام الى الاتحاد الاوروبي سينهي تماما المسألة الكردية، بالنظر الى أنه لا توجد أقلية عرقية تطالب بالانفصال في الاتحاد الاوروبي، بما فيها إقليم الباسك الإسباني الذي تراجعت فيه العناصر الانفصالية.
كذلك يرى الحزب أن حل المسألة الكردية سينهي حالة من المراوحة في المكان تعيشها تركيا منذ فترة من الزمن، بما يساعد على إنهاء مشكلات أخرى عالقة ما زالت هي الأخرى تراوح مكانها، وبالتالي فإن المغامرة بحل هذه المسألة يمكن أن تكون مفيدة من جهة، وذات آثار جانبية في أدنى حدودها.
كاتب مصري