في الواحد والعشرين من ديسمبر الجاري، يمر 130 عاما على ميلاد الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين المولود عام 1879. ورغم ما قيل وما يقال، سواء داخل روسيا أو خارجها، إلا أنه لا خلاف على أن ستالين واحد من أبرز القادة في القرن العشرين، الذين لعبوا أدوارا رئيسية في تشكيل النظام العالمي لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا خلاف أيضا على أن ستالين هو المؤسس الحقيقي والفعلي للدولة السوفييتية العظمى.

ورغم ما قيل عن ستالين داخليا وخارجيا، من أنه دكتاتور مستبد وأنه كرس «عبادة الفرد» في روسيا، يبقى ستالين أقرب الزعماء السوفييت لقلوب الشعب الروسي.

ولا ينافسه أحد في هذه المكانة، لا زعيم الثورة البلشفية لينين ولا صاحب البيرسترويكا جورباتشوف. وليس أدل على ذلك من أن ستالين، هو الوحيد الذي ما زالت حتى الآن صوره تطبع بكميات كبيرة وترفع في تظاهرات وتجمعات شعبية في روسيا.

ما زال ستالين محل جدل وخلافات كثيرة في الرأي على مختلف المستويات، وحتى على المستوى الرسمي في روسيا ظهر الخلاف حول ستالين بين رأسي السلطة، رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، ورئيس الدولة ديمتري ميدفيديف.

فلم يمض وقت حتى أصدر رئيس الوزراء بوتين قرارا بتكريم الزعيم ستالين وإعادة سيرته الوطنية للكتب المدرسية في روسيا، متضمنة إنجازاته في التنمية والبناء وبطولاته في الحرب العالمية الثانية ودوره في تكريس تواجد الأمة الروسية على الساحة الدولية كأمة عظمى، كما رفض بوتين مؤخرا وبشدة الحملة التي شنتها جهات أوروبية ضد ستالين ووضعته في مستوى واحد من الاتهامات مع النازي هتلر.

ولكن لم تمض على ذلك الأمر أيام قليلة حتى خرج رئيس الدولة ميدفيديف في خطابه السنوي للأمة من خلال البرلمان، بتصريحات يرفض فيها بناء روسيا الحديثة على أمجاد الماضي، ويدين ما أسماه بفترات قمع الحريات وتغييب إرادة الشعب.

وقد اعتاد ميدفيديف على انتقاد الحقبة السوفييتية في الكثير من أحاديثه، في الوقت الذي صرح فيه بوتين بأن انهيار الاتحاد السوفييتي كان كارثة إنسانية كبيرة بكافة المقاييس.

هذا التناقض والتباين في الرأي بين ميدفيديف وبوتين، يتصور البعض خطأ أنه يعكس خلافات بين رأسي السلطة في روسيا. والحقيقة أن الأمر يمكن تفسيره ببساطة على أنه تنسيق بين القيادتين مطلوب إلى حد كبير الآن، خاصة وأن العالم يتعامل مع كل من بوتين وميدفيديف على مستوى واحد أو متقارب.

وهذه فرصة للمؤسسة الحاكمة في روسيا لكي تقول ما تريد، وفي نفس الوقت تقول ما يريده الآخرون، حيث يمثل بوتين وجه القوة وطموحات الدولة العظمى التي يخشاها الآخرون ولا يعتدون على مصالحها، وربما لهذا الهدف بالتحديد اختار بوتين الزعيم الحديدي ستالين دون غيره من الحقبة السوفييتية، ليدافع عنه ويستدعي أمجاده.

فقد شكل ستالين مصدر رعب وتهديد كبيرين للغرب، وفرض مصالح ومكانة دولته على كل القوى الكبرى في العالم. أما الرئيس ميدفيديف فيعكس الوجه الآخر الذي يريد العالم أن يرى روسيا عليه الآن.

وهو الوجه الديمقراطي الليبرالي الهادئ البعيد عن الصراعات، وهذا الوجه لا يستطيع رجل المخابرات السوفييتية السابق بوتين أن يقدمه، بينما لا يستطيع الأستاذ الجامعي الشاب ميدفيديف الذي انهار الاتحاد السوفييتي وهو ما زال يدرس في الجامعة، أن يعكس وجه القوة وطموحات الدولة العظمى.

الوجهان مطلوبان لروسيا الآن، الوجه الستاليني القوي، والوجه الليبرالي الحديث. ومن المؤكد أن هذا هو السبب الرئيسي وراء اختيار بوتين لميدفيديف كخليفة له في الرئاسة، دون الآخرين

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru