يشعر الكثيرون منا بأنهم يكررون أيامهم لحظة بلحظة، وكأنهم يعيشون اليوم نفسه بنسخ كربونية تظهر الواحدة منها بمجرد شروق شمس يوم جديد (ولا جديد فيه سوى أنه يضيف رقما إلى رصيد العمر)، وتختفي تلك النسخة بغروب ذلك اليوم، لتفسح الطريق لنسخة أخرى جديدة كي تظهر مع شروق شمس اليوم التالي.
أليس تنوع إيقاعات الحياة أفضل؟ لماذا يحافظ كثيرون منا إذن على إيقاع واحد لحياتهم؟ ونحن، أو معظمنا على الأقل، نؤمن نظريًا بأن التنوع أفضل في كل شيء، إلا أنه لا يقوم بأي فعل في هذا الاتجاه، ولا يبذل أدنى جهد في سبيل ذلك!
لا أريد أن أجزم بأن التنوع والتجديد والاختلاف بين ملامح يوم وآخر أفضل، فهذا أمر يعسر أن تتفق الآراء حوله، وسيقف شديدو التفاؤل في طرف، بينما يقف شديدو التشاؤم في طرف آخر مقابل، وستمتد بينهما مسافة أرجِّح أن الواقفين فيها قلة، لكنني أتساءل فقط عن سبب الميل نحو هذين الطرفين، وعدم محاولة المزج بين شيء من ملامح ذلك الطرف، وشيء من ملامح الطرف الآخر!
من الناس من يرى أن الحفاظ على نمط حياتي واحد، والالتزام به، والركون إلى تكراره يوما بعد يوم دون أدنى تغير أو اختلاف فيه، يمنحهم الإحساس بالأمان ويضاعف من شعورهم بالراحة النفسية التي يحتاجونها، ليواصلوا مسيرة حياتهم وفق الإيقاع الذي ارتضوه لأنفسهم منذ البداية.
هؤلاء الأشخاص لا يحبذون فكرة التغيير إطلاقا، ويرون فيها تشويشا لسكون حياتهم وإزعاجا لطمأنينة نفوسهم. وتسير عجلة الحياة بهؤلاء الأشخاص على مسار واحد لا تحيد عنه، وهم راضون بذلك، أو بعبارة أدق، راغبون فيه، ولا يرون حاجة تستدعي الخروج عن ذلك المسار، فيحافظون عليه بشدة، ويعضون عليه بأيديهم وأسنانهم.
وهناك ـ في الجهة الأخرى ـ من يرى أن الالتزام بنمط حياتي واحد، وتكراره دون تغيير أو كسر، يبعث الملل في نفوسهم، وقد يصل بهم حد الإحباط أو اليأس من الحياة، لأنهم يرون التجديد والتغيير سنة كونية أزلية، ومهما كانت قدرة الإنسان على التعود على الأشياء، إلا أن حب التجديد راسخ أيضًا في النفس البشرية.
سيتقلب هؤلاء على جمر الرغبة في كسر روتين حياتهم، والبحث عن الجديد من ممتع ومفيد فيما حولهم.. خوفا من أن يعيشوا في ظلال الكربون، ويرون أن الرغبة في التغيير والتجديد أمر يكاد يكون فطريا في الإنسان، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى حب التطلع والاستكشاف، إلا أن هذا لا ينطبق كليا على جميع الناس، وهو متفاوت في من ينطبق عليهم بالفعل.
لا أريد أن يفهم القارئ أنني أقصد بكلامي هذا التغيير والتجديد في الشخصية أو السلوك أو الظروف المحيطة، ليس هذا ما أقصده إطلاقا، بل أقصد السمة العامة للحياة اليومية، هل نشعر أننا نكرر أيامنا، أو نشعر أننا نعيش في كل يوم «يومًا» جديدًا؟
لكن الأمور مرتبطة ببعضها، فالرغبة في أن تكون الأيام مختلفة الملامح والمعالم، لا بد أن تعني بشكل أو بآخر الرغبة في زيارة أماكن جديدة، ورؤية وجوه جديدة، واكتساب خبرات ومعارف مختلفة عن المعروف والمألوف تساعد على القيام بشيء جديد، يختلف أيضا عما يُمارس بطريقة شبه آلية يوميًا.. لن تنفصل الأمور عن بعضها إذن، لكن الحديث الآن مركز على حب البعض تلوين أيامهم بألوان مختلفة، ورغبة آخرين في أن تكون جميع الأيام باللون نفسه، والنكهة نفسها، والرائحة نفسها، والمذاق نفسه.
كثرة التغيير وتحول تلك الرغبة إلى هاجس ملح صباح مساء، ليست إيجابية تماما، بل قد تكون إشارة إلى عدم استقرار نفسي يمثل الدافع وراء تحول الرغبة إلى هاجس لجوج. كما أن عدم الرغبة في التغيير والاستسلام للواقع كما هو، والسير على آثار خطوات مرسومة سلفا منذ سنين مضت، دون أدنى رغبة في تجاوز تلك الآثار، أو رسم آثار جديدة، أو التعرف إلى مسار جديد ذي آثار خطوات مختلفة عن تلك المعتاد عليها، أيضا قد يكون ذا دلالة سلبية.
خير الأمور الوسط.. أمر لا شك فيه، فما بين الرغبة في التغيير وعدم الاستقرار على وضع محدد من جهة، وعدم الرغبة في التغيير والثبات على وضع محدد من جهة أخرى، توجد مساحة كبيرة ممتدة يمكننا أن نجد لنا مكانًا فيها، بحيث تبقى الثوابت في مكانها لا تطالها أيدي التغيير، ولا تمسها حتى من بعيد مجرد فكرة تغييرها، وتتحرك عجلة الحياة بالأمور الباقية القابلة للتغيير، القادرة على منح النفسيات المرهقة جرعات من النشاط والحيوية، بدلا من الاستسلام لروتين الحياة اليومية.
جامعة الإمارات