أثارت نتائج لقاء روسيا والاتحاد الأوروبي تساؤلات حول حقيقة النوايا الأوروبية تجاه روسيا، ومصداقية الخطاب الأوروبي الداعي لتطوير التعاون مع موسكو وتنويع مجالاته. إذ لم تتمكن قمة روسيا ـ الاتحاد الأوروبي من إنهاء الأزمة المزمنة، والتي تفجرت منذ عامين مع نهاية مفعول اتفاق الشراكة الاستراتيجية.

فلم يتمكن الطرفان من توقيع معاهدة جديدة بسبب اعتراضات بولندا على ذلك، باعتبار انها تضررت اقتصاديا من القرارات الاقتصادية الروسية.

واقتصرت القمة على النوايا الطيبة، اذ أعرب الرئيس الروسي ديمتري مدفيدف، عن أمله في أن يتم توقيع اتفاقية أساسية جديدة حول الشراكة بين روسيا والاتحاد الأوروبي في أقرب فرصة، واشار إلى انه يجري العمل على تنسيق نصوص بنود الوثيقة بشكل تفصيلي، ويمكن أن يتوصل الطرفان تدريجيا خلال الفترة القادمة للاتفاق على النص النهائي بالكامل، وذلك بعد ست جولات من المحادثات بين الجانبين حول إعداد الوثيقة الجديدة.

وقد اختلفت اللهجة الأوروبية عن الموقف الروسي، وتضمنت انتقادات لموقف موسكو وتعاملها مع المدافعين عن حقوق الإنسان في روسيا، وطالب رئيس الاتحاد ورئيس وزراء السويد، فريدريك راينفيلدت، روسيا بتنفيذ التزاماتها التي قطعتها بعد نزاع القوقاز عام 2008.

وبدا الأمر لأول وهلة أنه ليس أكثر من تثبيت مواقف اوروبا، وظهرت قناعة لدى روسيا أن بداية جديدة لاستئناف التعاون يمكن أن تتم خلال الفترة القادمة. إلا ان الخطوة الجديدة التي أقدم عليها الاتحاد الأوروبي في مشروع «الشراكة الشرقية»، وجهت الأنظار نحو عدم حرص الأوروبيين على علاقات التعاون بينهم وبين روسيا، إذ عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعا لوضع اللمسات الأخيرة.

ويبدو واضحا أن مشروع «الشراكة الشرقية»، يهدف إلى تفكيك «رابطة الدول المستقلة» التي يُعتقد أنها تقع تحت سيطرة روسيا، إذ إن أوروبا تعرض الشراكة على كافة بلدان الفراغ السوفييتي السابق باستثناء روسيا. وتستغل أوروبا رغبة النخب الحاكمة في هذه البلدان ومساعيها للاندماج مع البيت الأوروبي.

ويمكن القول إن أوروبا لا تسعى إلى الشراكة «المتكافئة» مع بلدان الفراغ السوفييتي، وإنما تريد الحصول على اليد العاملة الرخيصة من هذه البلدان، والسيطرة على الثروات الطبيعية فيها، وتحويل البلدان الواقعة في الفراغ السوفييتي إلى أسواق لمنتجاتهم.

والأغلب أن مدى «الشراكة الشرقية» يتوقف على مدى استعداد البلدان المستهدفة لتكون صديقا يساعد الاتحاد الأوروبي في محاصرة روسيا. بل وتخطط لإقامة منطقة عازلة حول روسيا، ما سيؤدي إلى اشتداد المنافسة بين روسيا وأوروبا للسيطرة على الساحة السوفييتية السابقة.

وقد وفر فشل رابطة الدول المستقلة في أن تكون منظمة إقليمية ذات نفوذ سياسي واقتصادي، الإمكانية للأوروبيين في فصل البلدان الكائنة في الساحة السوفييتية عن روسيا، ويبدو انه يسهل لهم تحقيق هدفهم، خاصة أن المبادرات الروسية فشلت في ملء الفراغ، مثل دولة الوحدة بين روسيا وبيلاروسيا، أو تكوين التحالف الاقتصادي المسمى «المجموعة الاقتصادية الاوراسية»، أو إنشاء منظمة التعاون الأمني (منظمة الأمن الجماعي)، أو تكوين الاتحاد الجمركي بين روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان، وإن كانت قد أبطأت هذه المبادرات وتيرة تفكك رابطة الدول المستقلة.

لقد تمكنت روسيا من تجاوز ذروة الأزمة المالية، وبدأت تستعيد نمو اقتصادها وانتقلت من مرحلة الركض على ابواب الغرب إلى مرحلة إعادة بناء قدراتها الذاتية، واستعادة دورها ونفوذها الدولي، مستخدمة قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وهو ما ادى لتنامي الثقة بالنفس لدى موسكو، وهذا الوضع لن يدفع الكرملين لتقديم تنازلات للغرب، بصرف النظر عن الضغوط الغربية.

ويسود اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية، بأنه بعد فشل المواجهات التي وقعت بين روسيا وأوروبا بإيعاز من الولايات المتحدة، لجأت وشنطن للتأثير على حكومات اوروبا القديمة التي كانت قد بدأت في بناء علاقات تحالفية متميزة مع موسكو، ما أدى لأن تفقد روسيا إمكانية التوصل لتسويات مع الأوروبيين تراعي مصالحها ومصالح بقية الأطراف.

كل ذلك أدى لإحياء نظرية المثلث الاستراتيجي كقطب عالمي، وبدأت روسيا تتجه إلى بناء حلف تكتيكي أو استراتيجي مع بلدان مثل الصين والهند، وفي الوقت نفسه يسعى الكثيرون في أوروبا لتوطيد الصداقة مع الولايات المتحدة.

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى أن تصبح أوروبا جزءا من شرق الولايات المتحدة، بينما «ترحل» روسيا إلى آسيا، حيث يمكن أن تنشئ أوراسيا جديدة بالتعاون مع الصين.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru