لا تكشف أمطار الرحمة والخير العيوب في المباني ولا شبكات الصرف الصحي المكتملة وغير المكتملة، ولا سوء التخطيط ولا غيرها من الأمور التي اعتدنا عليها سنويا فقط، بل تكشف أيضا عن مدى التلوث في الجو عندنا، والذي تغض الطرف عنه العديد من جهات الاختصاص، أو التصريح بما هو عكس الواقع تماما.. فمنظر الأشجار ومنظر الأبراج والبيوت والفلل وأعمدة النور في الشوارع وكل ما يقع بصرك عليه هو يلمع بفضل عملية الغسل التي تعرضت لها بمياه الأمطار المتساقطة.

نعم كل شيء يلمع اليوم وتتبين ألوانه الحقيقية، حتى ورق الشجر بدا واضحا بلونه الأخضر الطبيعي.. فنسبة تلوث الجو عندنا في معدلات لا يستهان بها، لكن لا احد عندنا يعترف بهذا، بل على العكس قبل أشهر خرجت علينا قياسات للهواء تقول إن هواءنا يتمتع بصحة وعافية، فيما الحقيقة الأصلية مجافية لهذا الكلام..

من خلال خبرتنا جميعا مع مياه الأمطار، صار الواحد منا يحفظ الشوارع والدواوير والتقاطعات التي تتشكل فيها البرك السنوية، ولهذا صار لأغلبنا خبرة، وصرنا اوتوماتيكيا نغير خطط سيرنا حينما تبدأ الأمطار، حتى برامج اليوم التالي تخطط مسارها أماكن المستنقعات.. ولأننا سنويا نتفاجأ بما يكشفه لنا المطر من عيوب، فان القائمة ستبدأ في الصدور خلال الأيام المقبلة، فشيئا شيئا ستبدأ عدسات المصورين في التقاط ما هو ظاهر وما هو مخفي.. وقبل هذا أريدكم أن تتذكروا، ومن لم يتذكر عليه أن يجري بحثا بسيطا بواسطة أي محرك بحث ليقرأ التصريحات التي صدرت قبل أشهر من اليوم من قبل الجهات البلدية التي قال اغلبها إن الاستعدادات على قدم وساق لاستقبال موسم الأمطار هذا العام.

الأمطار جاءت، بل «قيلت وباتت» والخطط والاستعدادات يبدو انها تبخرت أو كانت حبرا على ورق، أو هي كالعادة، علة المقاول الذي لم ينفذ الفكرة بالشكل المطلوب.

في المطر يحدث عندنا هذا.. كل عام وكل موسم.. الكلام هو، هو والشكاوى هي، هي.. والشارع الذي يتحول إلى بحيرة، هو الشارع نفسه الذي يستعيد دوره في التحول كل عام.. حكايتنا مع المطر حكاية مكررة، نمطية، ويبدو اننا تعودنا عليها واعتدناها. ففي المطر سنويا نجلس لنلوم البلديات ونلوم سوء التخطيط لمخططات المجاري ومصارف المياه التي لا تكتمل بنيتها التحتية أبدا.

وفي المطر نعي الفرق بين مقاول بناء وآخر، وفي المطر نتبين أي الجهات أكثر تفانيا في العمل وأيها أقل، وفي المطر تتكشف لنا مواطئ الخطر في تمديدات الكهرباء، وفي المطر نكتشف عيوب سياراتنا، وفي المطر نحب «المجبوس بالمالح» والعرب يحبون «يشوون كستناء»، وفي المطر نشعر اننا باريس ولندن، وفي المطر نعشق لبس الملون من الملابس.

mhalyan@albayan.ae