كنا في مطلع شبابنا متحمسين لتحرير بلادنا من الاحتلال الأجنبي، ثم اكتشفنا أن التبعية الاقتصادية لا تقل سوءاً عن الاحتلال العسكري، فتحمسنا لمحاولات التخلص من هذه التبعية الاقتصادية. بعد مرور فترة أخرى من الزمن، أدركت، كما أدرك كثيرون غيري، أن الأخطر من هذا وذاك: التبعية الثقافية، أي أن يجبرك الأجنبي على تبني أفكاره وقيمه ونمط سلوكه، بل وأن يجعلك تعتقد أن أفكاره وقيمه هي بالضرورة أفضل من أفكارك وقيمك، وأن نمط سلوكه هو دائما الأكثر رقيا و»تحضرا».
استقر لديّ أن هذا الغزو الثقافي أخطر في الحقيقة من الاحتلال العسكري أو الاقتصادي. والسبب بسيط.وهو أن التخلص من آثار الاحتلال والتبعية الاقتصادية أسهل بكثير من التخلص من آثار الغزو الثقافي، إذ أن هذا الأخير يتم داخل نفسك ويلعب بما يدور في رأسك. إذا نجح الأجنبي مثلا في إحلال لغته محل لغتك، وأنساك أدبك وتاريخك، وجعلك تحتقر قومك وتستخف بما يؤمنون به من قيم، فكم يحتاج إصلاح هذا من زمن، إذا كان من الممكن إصلاحه على الإطلاق؟ للمؤرخ البريطاني الشهير «أرنولد توينبي» (Arnold Toynbee) فقرة أتت في كتابه «دراسة في التاريخ» (A Study of History) .
وتركت أثرا كبيرا في نفسي، كتبها وهو بصدد تقييم التجارب التاريخية في تلاقي حضارة الغرب بالحضارات الأخرى، ويعلق فيها على التجربة اليابانية، فقال إن هذه التجربة تعتبر في نظر الكثيرين من أكثر هذه التجارب نجاحا، أو أقلها فشلا.
في مواجهة الغزو الغربي، فإذ شاهد اليابانيون تفوق الغرب الاقتصادي والعسكري، راحوا يعلمون أنفسهم كيفية مواجهة هذا الغزو باستخدام الأسلحة الغربية نفسها، وهنا تبدو اليابان كما لو كانت قد نجحت حيث فشلت تجارب مشابهة، قام بها أمثال محمد علي وجمال عبد الناصر في مصر، وكمال أتاتورك في تركيا.
ولكن توينبي يعتبر أن استجابة اليابان لهذا التحدي قد فشلت في جانبين أساسيين. فهو يصفها أولا بأنها كانت في الأساس «مقلدة وليست خلاقة، بحيث لم يكن يٌقدر لها، حتى بفرض نجاحها، إلا أن تؤدي في النهاية إلى مضاعفة كمية المنتجات المصنعة آليا، والتي ابتدعها المجتمع المنقول عنه، بدلاً من أن تطلق عقال طاقات خلاقة جديدة من أعماق الناس». ووجه الضعف الآخر في التجربة اليابانية، في نظر توينبي، هو أن هذا النوع من الاستجابة «لا يمكن بطبيعته أن يحقق الخلاص، حتى مجرد الخلاص في هذا العالم الدنيوي.
لأقلية صغيرة من أفراد أي مجتمع يسلك مثل هذا الطريق. أما الغالبية فإنهم، في مثل هذه التجربة، لا يمكن أن يطمحوا حتى الى أن يصبحوا أعضاء سلبيين في داخل الطبقة المسيطرة في الحضارة المنقول عنها، فمصيرهم لن يزيد على أن ينضموا الى صفوف البروليتاريا في داخل هذه الحضارة».
أتيحت لي في مطلع الثمانينات فرصة رؤية اليمن لأول مرة، إذ دعيت لإلقاء محاضرة في جامعة صنعاء في موضوع من اختياري، فاخترت، ولا عجب، موضوع الانفتاح والغزو الثقافي. وقد وجدت بعض الاستجابة من الطلبة اليمنيين، ولكن الاستجابة كانت أقل مما توقعت، وفسرت ذلك بقرب عهد اليمن بالانفتاح على الغرب وانبهار اليمنيين بعجائب الحضارة الغربية، مثلما انبهر المؤرخ المصري الجبرتي لدى رؤيته الأعاجيب التي أتت بها الحملة الفرنسية الى مصر، وكانت أيضا أول مواجهة بين مصر والحضارة الغربية.
كنت أعرف عندما سافرت الى اليمن، أن الأمم المتحدة تصنف اليمن (مع ؟؟ دولة أخرى) في مجموعة تطلق عليها «أقل الدول نموا»، مع دول كالحبشة والصومال وأفغانستان، وهو وصف مهين لأي دولة، خاصة لدولة كانت تسمى حتى وقت قريب ب»اليمن السعيد». فلما رأيت اليمن أدركت أن الوصف ليس فقط وصفا وقحا، بل مدعاة للسخرية، ليس من اليمن، بل من الأمم المتحدة. فإذا قدم لي خبراء الأمم المتحدة أرقاما تؤيد زعمهم، تتعلق بمستوى التصنيع أو الصحة أو التعليم، فإني سوف أنبههم الى أشياء لا يمكن قياسها بالأرقام، وهي تصلح في نظري معيارا للتقدم لا يقل أهمية عن مؤشراتهم الرقمية.
إذ فلتأت «أكثر الدول نموا» بمعمار أجمل من المعمار اليمني، وبنظام أنسب للاستغلال الزراعي من المدرجات اليمنية، أو بشعب أكثر اعتزازا بلغته وتراثه من الشعب اليمني، أو بحياة اجتماعية أكثر صلابة، أو بعاصمة أكثر هدوءاً ووداعة من صنعاء، باستثناء الشوارع الثلاثة الرئيسية التي غزتها البلاد الصناعية «الأكثر تقدما»، بسياراتها وضجيجها وتلوثها وانكبابها على الربح. ثم أني لم أشهد، على الأقل بالعين المجردة، مظاهر لسوء التغذية أو الفقر المدقع في أكثر قرى اليمن عزلة، ولم أشهد على وجوه الأطفال اليمنيين ما يدل على أنهم «أقل أطفال العالم تقدماً».
نعم، لا بد من تعميم المياه النقية الصالحة للشرب وتخفيض مستوى الأمية، ولكن هل يصح باسم القضاء على الركود، أن تأتي الدول الصناعية وجيوش الخبراء الأجانب لكي تبيع لليمن آلاف السيارات الخاصة، ولتبني لهم فنادق ليس هناك أدنى صلة بين معمارها والمعمار اليمني، أو مبنى للبنك المركزي اليمني يكاد يحجب الجبل المحيط بصنعاء؟
وهل كان خروج اليمن من عزلتها يفرض بالضرورة أن تضطر العائلة اليمنية الى الجلوس لمشاهدة برامج تليفزيونية من نوع «العالم يغني»؟ قد نتفق أو نختلف حول ما إذا كان من الأفضل للمرأة اليمنية أن تتخلى عن النقاب أو أن تحتفظ به، ولكن هل يجوز أن تضطر الفتاة اليمنية الى أن ترتدي في استعراض عيد العمال قميصا أبيض يحمل على ظهره إعلانا عن «السفن آب»، كما رأيت بعيني على شاشة التليفزيون اليمني؟
هل مثل هذا هو الذي يؤهل اليمن للخروج من فئة «أقل دول العالم نموا»؟وقد يتجادل مثقفو اليمن وسياسيوها عما يجب أن يكون موقفهم من غرام اليمنيين ب»القات»، ولكن هل استقر الرأي على أن الخمر الأوروبي والأميركي أفضل للصحة والحياة الاجتماعية من القات اليمني؟ أم أن الشاب اليمني كان على صواب حينما قال لي: «والله لو منعونا من زراعة القات لصدّروه لنا معلباً»!
كاتب مصري
