القدس أو بيت المقدس أو «أورشليم» بالعبرية، وهي الترجمة العربية للاسم الذي ورد في النصوص القديمة في التوراة والإنجيل، والذي اختلف المؤرخون حول سبب تسميته هذه، فمنهم من نسبها إلى ملك اليبوسيين الذين أسسوا المدينة قبل حوالي خمسة آلاف عام والمتحدرين من أصل كنعاني، حيث كان ملكهم يسمى سالم فمسيت بأور سالم أي مدينة سالم، وهناك رواية أخرى تقول إن الاسم هو تعريب للاسم العبري يروشالايم، والذي يشير إلى إله كنعاني قديم اسمه شاليم، أو إلى مدينة السلام.

والمدينة تقف اليوم محتارة في اسمها كحيرتها في من له الحق في العيش فيها، فهي مقدسة وقدسيتها تنسحب لتضم جميع الديانات السماوية الثلاث، فهي ملك للمسيحيين وللمسلمين ولليهود، هكذا تقول الجغرافيا التاريخية للمدينة التي تضم كنيسة القيامة أحد أهم معالم الديانة المسيحية.

وهي للمسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتذكر في الأسفار التلمودية بأنها هي المركز الديني والملكي لمدينة يهوذا التاريخية حيث أقيم فيها هيكل سليمان؛ فالمدينة محتارة في واقعها اليوم، كما هي حيرتها في تاريخ بيت المقدس العريق.

لقد برزت مشكلة المدينة السياسية في التاريخ الحديث أثناء الحرب العالمية الأولى، وخاصة في أعقاب الاحتلال البريطاني لها عام 1917 بعد أن كانت تحت سيطرة العثمانيين، وجعل منها البريطانيون عاصمة للانتداب. وعندما قامت الحرب بين العرب وإسرائيل عام 1948، استولت المجموعات المسلحة الصهيونية، التي شكلت إسرائيل فيما بعد، على القدس الغربية، أما الجزء الشرقي فقد ظل تحت إدارة الأردن حتى عدوان عام 1967، بعد هزيمة العرب واستيلاء إسرائيل على كامل مدينة القدس بجزئيها الغربي والشرقي.

ومنذ تلك الفترة وحتى اليوم والقدس تحت سيطرة اليهود، شأنها شأن باقي الأراضي العربية المحتلة، بل إن القدس تعتبر أحد أهم الأوراق الرئيسية التي تدور حولها المفاوضات العربية الإسرائيلية، ولم يتحقق أي تطور إيجابي بشأن وضع الفلسطينيين في هذه المدينة، طوال تلك السنوات والمفاوضات التي مرت حولها.

ومع القرار الذي أصدره الاتحاد الأوروبي بشأن القدس الأسبوع الفائت، والقاضي بضرورة التشارك في القدس، بحيث تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية والقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، فقد أدى ذلك إلى إنعاش الآمال مرة أخرى بإحياء الدور الأوروبي بعد أن أصابه الكثير من الضبابية في الفترة الماضية، خاصة مع اختلاف مواقف الدول الأعضاء تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بصفة عامة؛ إلا أنه وبإصرار السويد من خلال المقترح الذي قدمته ومساعيها لحشد أكبر عدد من الدول الأوروبية للتصويت عليه، فقد أدى ذلك إلى إصدار القرار، وها هي أورشليم أو القدس تُنار مصابيحها مرة أخرى في أوروبا.

في الواقع، الطرف الأوروبي شريك مهم جداً في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وقد سجل موقفه من خلال كثير من المحطات التاريخية التي عبر من خلالها عن موقفه الرافض للعدوان الإسرائيلي، ومن أهم تلك المحطات بيان نوفمبر عام 1976، والذي دعا من خلاله إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية عليها.

ومن ثم إعلان البندقية عام 1980 والذي تميز بلغته الصريحة وعباراته الواضحة في مساندة الحق العربي، واعترافه صراحة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. ومع بداية التسعينات كان الاتحاد الأوروبي طرفاً مهماً جداً في عملية السلام التي انطلقت من مؤتمر مدريد، ثم عادت الدول الأوروبية وعبرت من خلال بيان فلورنسا عام 1996 عن موقفها من الدولة الفلسطينية، الذي شددت فيه على ضرورة قيامها وعبرت عن مخاطر التراجع عن العملية السلمية. ومع بداية هذه الألفية كانت دول الاتحاد الأوروبي طرفاً مهماً في اللجنة الرباعية، إلى جانب كل من الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة.

مع هذا الدور الأوروبي الجديد، والذي يبدو أن أوروبا أرادت أن تنتهجه مع تغير واضح في هيكلة الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع إدخال منصب الرئاسة ووزارة للشؤون الخارجية، فإن الواضح أن مصابيح أورشليم تضيء من جديد، ولكن في أوروبا هذه المرة، بعد أن أضاءها علي بدر في روايته السردية التي شيدها على أساس فكرة إدوارد سعيد الجوهرية عن الاحتلال الإسرائيلي للقدس؛ فرواية «مصابيح أورشليم» .

والتي تصدر دور البطولة فيها إدوارد سعيد عندما يزور القدس برفقة يائيل وإيستر اللذين يقودانه في جولة في المدينة التي غير الاستعمار الكثير من معالمها، ولكن يؤكد الراوي من خلال رؤية إدوارد سعيد، أن المدينة مثل «الطرس» الذي دائماً ما تبقى كتاباته الأصلية ظاهرة للعيان، رغم الكتابات الجديدة التي تأتي لطمس معالم الكتابة القديمة. فالقدس ومعالمها العربية لا يمكن أن تطمس على يد الممارسات الصهيونية، بل إن عروبة القدس باقية مهما حاول المحتل، هذا ما ذهب لتأكيده علي بدر في روايته.

القدس تعود من جديد في أوروبا، ولعل أوروبا تود هذه المرة أن تعود إلى خارطة الشرق الأوسط وتلعب دوراً في قضيته المحورية، بعد أن كانت قد استسلمت للدور الأميركي طوال السنوات الماضية. ربما تود أوروبا إعادة صياغة سياستها الخارجية هذه المرة، مع وجود رئيس أميركي جديد يريد من أوروبا أن تكون لاعباً في المجتمع الدولي، ولا يريد للولايات المتحدة الانفراد في شؤون العالم، كما فعل سلفه جورج بوش الابن الذي انتقد أوروبا ودورها في النظام الدولي ولم يعره أهمية.

أوروبا اليوم تريد دوراً جديداً لها في المنطقة، وهذا أمر إيجابي للعرب، ولكن العرب بحاجة إلى أن يقودوا هم أيضاً دوراً عربياً يساعد الدور الأوروبي ويكمله. ولعل الدعوة إلى مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية برعاية أوروبية ـ عربية وربما أميركية، لاستصدار موقف دولي حول مستقبل القضية الفلسطينية، تكون فرصة للدبلوماسية العربية التي لم تستطع، للأسف الشديد، أن تجعل مصابيح القدس مضاءة في عواصمها!

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com