قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر ثمانينات القرن الفائت، استخدمت إسرائيل أرذل وسائل التسميم الاجتماعي والنفسي والسياسي في حق الأجيال الأصغر سناً من الفلسطينيين: تساهلت مع أوكار الرذيلة وبيوت الليل التي راحت تطارد شبان الضفة وغزة والقدس الباحثين عن لقمة العيش في المدن والقرى الإسرائيلية.
وأغمضت عينها عن مروجي المخدرات الذين مددوا نشاطهم الإجرامي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وساعدت في إغراء زهرة أبناء فلسطين بالهجرة إلي أوروبا وما وراء البحار، على أمل بناء حياة اقتصادية أفضل وأكثر أمناً. إسرائيل فعلت ذلك وأكثر منه، تطبيقاً لمقولة مفادها أن دماء القضية الوطنية الفلسطينية ستتفرق بين جيل قديم كبير السن سيطويه الموت، وبين أجيال شابة معرضة أو يجب تعريضها لآفة النسيان.
لكن الذي حدث أن الأجيال الفلسطينية التي فتحت عينيها على واقع الاحتلال ولم تعرف لها سلطة حاكمة مباشرة غير سلطته، ووقعت بقضها وقضيضها تحت أضراس منظومته الإعلامية الدعائية الجبارة، ورديفها من أعمال ناشري ثقافة الشوارع الخلفية وتحويل الفلسطينيين إلى مجرد موجودات شهوانية، أو اقتصادية في أحسن الفروض، هذه الأجيال هي ذاتها التي اضطلعت بالانتفاضة وفعالياتها الكفاحية الاستثنائية.
كانت تلك الحالة الخارجة عن حسابات العقل الاستراتيجي الإسرائيلي بمثابة «أم المفاجآت».. ويومها صك أصحاب نظرية «الشاب الفلسطيني الناسي أو المجوف نفسياً» وجوههم، من هول الفشل الذي أصابهم، وراحوا يعيدون تقييم الموقف طبقاً لقراءة الواقع، الذي أثبت لهم أن الإنسان أعقد بكثير من أن يجري تحليله وتفكيكه ثم تركيبه في مختبراتهم الصورية.
نحن اليوم، وبعد زهاء عقدين من تجربة الانتفاضة الأولى وعقد من تجربة الانتفاضة الثانية، نكاد نطالع السيناريو الإسرائيلي ذاته مع التركيز علي مدينة القدس. خلاصة هذا السيناريو أن قطاع الشباب الفلسطيني العربي المقدسي، بذكوره وإناثه، يتعرض لحملة قاسية من التسميم العضوي، وليس النفسي فقط، عبر انتشار تعاطي المخدرات، وذلك إلى الدرك الذي يبيح لنا الحديث عن ظاهرة طاغية. ظاهرة لم تستطع المصادر الإسرائيلية ذاتها إخفاءها والمداراة عليها.
فمؤخراً أعلنت وزارة الرفاه الاجتماعي الإسرائيلية، أن عدد المدمنين من المقدسيين العرب يصل إلى 6000، بينما يبلغ عدد المتعاطين لصنوف المخدرات، بما في ذلك الأكثر تسميماً كالهيروين والكوكايين، نحو 25 ألفا.. وأن هذه الأرقام قابلة للزيادة، باعتبار أن إحصائيات الوزارة تعد ناقصة في كل الأحوال. والحق أنه مهما يكن مقام المعلومات الوزارية الرسمية الإسرائيلية من الدقة، فإن معطياتها المذكورة تبقي مرعبة.
فقياساً بالكتلة السكانية العربية، التي ما زالت مرابطة في زهرة المدائن، والبالغة نحو 200 ألف، يكون المدمنون والمتعاطون زهاء السُبع. وإذا أخذنا في الحسبان المرحلة العمرية لهؤلاء الأخيرين، حيث سن اليفوع ومطلع الشباب، بتنا إزاء نسبة أكبر بكثير. يتجلى حجم هذه المعضلة أيضاً، عند النظر إلى الوتيرة التي تتدحرج بها وتكبر بين يدي المجتمع المقدسي. تقول المعلومات بالخصوص، إن قضية الإدمان والتعاطي تلصصت بشكل لافت عام 1986، وذلك بعدد لم يتجاوز وقتذاك الثلاثمئة فرد. هذا يعني أن القضية تضاعفت لمئة مرة في غضون أقل من ربع قرن!
ما العمل إزاء هذا الوباء وكيف السبيل لمقاومته؟ الحق أن هدم الإنسان المقدسي يحظى بأولوية قصوى لدى دعاة تهويد القدس. فمن بين كل صنوف المقاومة، يظل هذا الإنسان هو حائط الصد الأول، ولعله الأخير وربما كان الأوحد، القابض جديا على فلسطينية المدينة وعروبتها وعمقها الحضاري، بشقيه الإسلامي والمسيحي.
ولذا، ينبغي استبعاد العطف الإسرائيلي كلياً على المدمنين والمتعاطين. السلطات الإسرائيلية تعلم جيداً بما يحدث، لكنها مرتاحة له طالما أن الضحايا من العرب. يظهر هذا بوضوح عندما «يصول مروجو المخدرات ويجولون في شرقي المدينة، وما ان يجتازوا ببضاعتهم إلى الجانب الغربي حتى يصطادهم أعضاء الوحدات الخاصة في الشرطة..».
وهذا الوضع يلقى عبئاً كبيراً على المنظمات الأهلية المهمومة بمواجهة هذا التحدي في إطار الرفض الإسرائيلي لمنحها التراخيص اللازمة.
لا مجال ولا مصداقية للحديث عن صيانة الهوية الفلسطينية العربية للقدس، دون تقوية المجتمع الفلسطيني المقدسي المرابط في أحشائها، مادياً ومعنوياً. فتفريغ قوة الشباب المقدسي وتجويفه عبر إدخاله في عالم المخدرات والإدمان، يمثل وسيلة جهنمية مضمونة النتائج في ضعضعة هذا المجتمع.
فليضع كل من يشغلهم مسار قضية القدس ومصيرها هذه الحقيقة في بؤرة اهتمامهم، وعليهم أن يقلبوا كل حجر إلى أن يهتدوا للكيفية التى يمكن بها استنقاذ شبابنا المقدسي من حبائل هذا العالم المروع، وإعادته إلى الوعي وإعادة الوعي إليه.
كاتب واكاديمي فلسطيني