رجل مريض مصاب بسرطان الرئة، وحسب التشخيص الطبي فإن السرطان قد انتشر في ثمانين بالمئة من جسده، والأطباء يحاولون إنقاذه في اللحظات الأخيرة، بعد أن تركوه لمصيره دون رعاية أو علاج.

هذا ما حاول زعماء القمة القيام به في كوبنهاغن بدايات هذا الشهر، لإنقاذ الكوكب الذي يعيشون عليه، كما عاش عليه أجدادهم، وربما لن يتسنى لأولياء عهودهم البقاء عليه. فالمسألة خطيرة، وتنبه العالم لها منذ زمن طويل، وتمت الدراسات ووضعت الحلول من قبل خبراء مختصين بالبيئة، ولكن الكائنات البشرية رفضت العمل بها، رغم التحذيرات وأجراس الخطر التي دقت ليل نهار، والصراخ المستمر بأن الكيل قد طفح، وأن الكوكب مهدد بالموت لا محالة.

وحجتهم، أن اقتصاد الدول الصناعية سينهار، لو توقفت عجلة الآلة الصناعية عن الدوران. ومع ذلك انهار اقتصاد العالم من حيث لا يحتسبون! القضية قضية حياة أو موت لكامل الحياة على الأرض، بما فيها من بشر وحيوانات ونباتات وفطريات وغيرها مما يعيش على الماء والضوء والهواء النقي.

والأغرب من ذلك كله أنه رغم المليارات من الدولارات التي صرفت على البحث عن حياة على كواكب أخرى، لم يعثر العلماء حتى الآن في الفضاء الفسيح، ولا حتى على كويكب واحد يمكن أن يشكل طوق نجاة لهم من الغرق في فيضانات تلوث كوكب الأرض.

وهذا يعني أن الإنسان ليس له من مخرج من أزمة الكرة الأرضية، إلا الولادة والموت فيها فقط لا غير؛ لقد حكم الإنسان على نفسه بنفسه بالإعدام بكلتا يديه! واليوم وبعد عقود من الزمن، وعندما تسرب الماء من بين أصابعه، بدأ يبكي على قدره المحتوم.

نحن لا نبالغ في الوصف، فالأمر أصعب وأخطر من ذلك. فالإنسان استطاع أن ينشئ المصانع ويحلق بالطائرات ويصل إلى المريخ، ولكنه لم ولن يستطيع أن يصنع قطرة ماء. والدليل على ذلك أن إسرائيل، رغم تقدمها العلمي والتقني والبحثي، قررت الاستيلاء على مياه نهر الأردن وبحيرة طبرية، منذ أن أدركت أن مصيرها هو الماء قبل أرض فلسطين، وإلا لوقعت تحت رحمة العرب والمسلمين. وكان بالتالي أحرى بعلمائها أن يصنعوا الماء ويستغنوا عن كل أنهار العالم، ولكن هذا لم يحدث. والحروب القادمة، كما توقعها الباحثون قبل عقود طويلة، ستكون حروبا ليس للاستيلاء على آبار النفط، ولكن للسيطرة على آبار المياه.

قمة كوبنهاغن هذا الشهر مجرد صرخة أخرى لن يستمع إليها أحد، والوقت يمر، والتلوث مستمر ولن يتوقف وبنسب تفوق المتعارف عليه، من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية، مرورا بالدول الأوروبية وغيرها من الدول الصناعية الكبرى.

والمصانع التي تنتج وتعبئ وتصدر الفواكه والخضروات واللحوم الملوثة وحتى قناني المياه، هي نفسها التي تشارك في تلويث بيئتنا، ونحن نستهلكها آمنين مطمئنين، في الوقت الذي تبث فيه آلتها مليارات الأطنان من الملوثات في الهواء الطلق، دون حسيب أو رقيب، وفي الوقت الذي تتخلص فيه شركات أخرى من نفاياتها النووية والكيميائية بملايين الأطنان يوميا، بإلقائها إما في الأنهار القريبة منها، أو دفنها تحت الأرض في دول فقيرة تبيع خدماتها مقابل حفنة من الدولارات.

وبينما، لجهلنا، ليس لدينا الوقت الكافي لنعلم أطفالنا أن كمية الماء الذي يهدره وهو يغسل يديه، قد لا يجده غدا ليروي به عطشه، وأن كمية الماء التي تغسل بها سيارتك يوميا، قد لا تحلم بها بعد غد لتروي قبيلة بكامل أفرادها وغنمها وماشيتها.

ماذا يمكن اليوم أن يقدم لنا المؤتمر البيئي الدولي؟ الحلول التي سيقدمها هي أشبه بتلك التي يتخذها الأطباء لمريض سرطان الرئة بعد فوات الأوان. فالملوثات غطت الفضاء والتربة ومياه الأنهار، وحتى مياه البحر التي يلقى فيها بكل أنواع السموم التي لا تخطر على بال.

جبال الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي بدأت تذوب بنسب عالية وغير متوقعة، ويتوقع أن يتسبب ذلك في فيضانات البحار والأنهار على المدن القريبة منها، وحرارة الأرض في ازدياد مستمر دون الحاجة لسؤال الترمومتر، وانخفاض معدلات نسب الأمطار تزداد سوءا يوما بعد يوم، وحرارة الجو مع انعدام المطر تؤدي بشكل طبيعي إلى ازدياد في نسبة التصحر، والتصحر يعني انخفاضا في معدلات الإنتاج الزراعي وفي المطر نفسه، وهكذا هلم جرا..

وهذا يعني في النهاية أن الإنسان سيصبح غذاؤه، لا سمح الله، من الحديد الخردة، وشرابه من الديزل، وهواؤه من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تبثه عادمات المحركات من السيارات والطائرات والأساطيل البحرية!

بالطبع، العرب ليس لهم لا حول في الإنتاج الصناعي ولا قوة في وضع حل لقضايا البيئة، رغم القرارات المطبوعة على ورق فاخر (الذي يزيد التلوث البيئي)، والتي صدرت عن المؤتمر السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية الذي انعقد في بيروت في شهر نوفمبر الماضي، وهي قرارات تشبه في «تنفيذها» قرارات الجامعة العربية بتحرير فلسطين من الغاصب الصهيوني منذ ستين سنة.. بالرغم من أنهم معنيون بالمسألة أكثر من غيرهم، فهم لا ماء لديهم ولا زراعة ولا صناعة.

إن المطلوب الآن ليس إعادة الكرة الأرضية إلى ما كانت عليه قبل انفجار الثورة الصناعية، وإنما الإبقاء على تلوث كوكب الأرض في مستواه الحالي وبنسبه المرتفعة. ومستواه الحالي لا يبشر بخير، فكيف إذا استمر الكائن البشري في تحديه للطبيعة من خلال تدميرها، وكأنها عدو غاشم يجب القضاء عليه! إن هذا الكوكب هو مآلنا الأول والأخير.

وليس لدينا مفر منه إلى بقعة أخرى. فيمكنك الهروب من تلوث نيويورك إلى نقاء جو مدينة جنيف مثلا، ولكن ليس بإمكانك مطلقا أن تذهب من كوكب الأرض إلى الكوكب رقم إكس 300 أم تي، الذي يقع على بعد 100 مليون سنة ضوئية، والذي يتمتع بظروف بيئية مشابهة مائة بالمائة لكوكب الأرض.

ملاحظة: هذا الكوكب يحتاج أولا أن تعيش 100 مليون سنة ضوئية حتى تصل إلى هناك، وثانيا هو كوكب لا يوجد إلا في كتب الخيال العلمي!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com