ما يصيب دبي من سهام إعلامية مفضوحة النوايا والقصدية، بسبب أزمة «دبي العالمية» و«نخيل»، أمر طبيعي، والذين يبوحون أو يكتمون شماتتهم في صدورهم تشفيا فيها أيضا أمر طبيعي، والذين يبالغون ويغالون ويشوهون في حقائق الأزمة، أيضا يقتصون ثاراتهم من دبي.. لأن دبي ببساطة، هذه المدينة التي اختارت مستقبلها باكرا وشرعت تؤسسه على أرض الواقع، هي حالة مستفزة على الدوام، وهي حالة «تغيظ» الكسالى والخوافين والمترددين، ولأنها «تغيظ» فقد تربص بها المتربصون.. فالجواد الذي لا تستطيع تجاوزه والذي يتفوق عليك بفارق مسافات عدة، تتمنى وأنت تلهث خلفه لو أنه يكبو لتتحين تلك الفرصة الذهبية في عدوك البطيء أصلاً.
أمر طبيعي أن تنهال سهام التهويل والتضخيم وقراءة الحقائق مقلوبة وعلى عكسها تماما، وأن يقال.. دبي تعطش وتجوع، ودبي خالية من الناس، ولا مصير يعرف في دبي! وأمر طبيعي أن تهول الأرقام، وأن تصبح مادة أزمتها قوت الذين استفزتهم.. أمر طبيعي، «لأن الشجرة مثمرة»، وكانت قد أثمرت قبل أوان الثمر.
اليوم يخلط الذين يكتبون والذين يتحدثون والذين يتشدقون تنظيرا مستخدمين مصطلح «أزمة دبي»، وتصور دبي وكأنها «دكان» مفرغ من بضائعه، تصفق الريح بابه على جدرانه الجرداء، ويجلس صاحبه أمام دكته وينظر الناس إلى مصيبته..
هكذا يقرأ البعض الحقائق مغلوطة ومشوهة، ومغموسة أيضا في وحل التشفي. متجاهلين أنه لا توجد أزمة في دبي نفسها، بل هي أزمة ديون شركة، من بين عشرات الشركات والمؤسسات، هي أزمة تجارية بحتة مئة بالمئة، حالها حال كل الأزمات التجارية التي تتعرض لها أي شركة في العالم..
هذه هي الحقيقة ببساطة، شركة قد تنجح في تجاوز أزمتها، شركة قد تستعين بروافد أخرى لإصلاح أزمتها، شركة قد تعلن إفلاسها وتخرج من السوق لتؤسس مكانها شركة أخرى.. أي بالمعنى العادي، حالة مثل مئات الحالات، وفي عرف البيع والشراء والاستثمار لا تستبعد هذه الأمور.
الذين يتشفون اليوم في دبي لأنها ورطتهم في أحلامها وفي نجاحها، هم الذين لا يرون الأزمة في نطاقها الحقيقي، التجاري.. بل يقرأونها في دبي كاملة، لأن سهامهم في الأصل موجهة لدبي، هذه المدينة التي لم يقدر الله لها نصيبا وافرا من النفط، لكنها تجاوزت ما عجزت عنه دول تنام على بحيرات منه.
مدينة لم تنجح في تجارتها فقط، لكنها نجحت في توليف الناس رغم اختلافهم، نجحت في صناعة النموذج العالمي لمدينة أصبحت ملتقى العالم.. دبي «تغيظ» من الأصل، كانت وما زالت «تغيظ» بنجاحاتها.
