بعد جهيد جهيد، وتدخلات حثيثة وربما ضغوطات كبيرة مارستها إسرائيل بعون ومساعدة الولايات المتحدة، أصدر المجلس الوزاري لدول الاتحاد الأوروبي الذي يضم سبعا وعشرين دولة، بياناً سياسياً، يتصل بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وعملية السلام المجمدة، لعل أهم ما جاء فيه هو تأكيد أوروبا الموحدة على ما يلي:
أولاً: القدس عاصمة لدولتين، والأوروبيون لا يعترفون بشرعية الإجراءات التي تقوم بها إسرائيل وتستهدف تغيير معالم المدينة، التي تشكل جزءاً من الأراضي المحتلة عام 1967.
ثانياً: لا تعترف أوروبا بالتغييرات التي وقعت على حدود الرابع من يونيو/ حزيران عام 1967، إلا في إطار ما يتم الاتفاق عليه تفاوضياً، وهذا يشمل عدم الاعتراف بالاستيطان وبالأراضي التي يصادرها جدار الفصل العنصري.
ثالثاً: يدعم الاتحاد الأوروبي الخطة التي أعلن عنها رئيس الحكومة سلام فياض، والتي تقضي ببناء مؤسسات الدولة وبناها التحتية، بحيث تكون مسألة قيام الدولة جاهزة خلال سنتين على الأكثر.
من الواضح أن الاتحاد الأوروبي لم يخرج عن إطار قرارات الشرعية الدولية الخاصة بهذا الشأن، والتي لم يتراجع الاتحاد عن تبنيها، رغم كل ما تقوم به إسرائيل من إجراءات على الأرض لتجاوزها.
البيان الأوروبي، تأسس على مشروع قرار كان أكثر وضوحاً وأكثر إيجابية لصالح الفلسطينيين، كان قد قدمه وزير خارجية السويد، رئيسة الدورة الحالية للاتحاد، وهذا بدوره استند إلى تقارير عن وضع القدس كانت أعدتها مفوضية الاتحاد، وتتضح فيها جملة من الخروقات والتجاوزات الإسرائيلية للقوانين والقرارات الدولية.
قبل صدور البيان كان الفلسطينيون قد أجروا سلسلة اتصالات بدول الاتحاد الأوروبي لدعم المشروع السويدي، غير أن هذا التحرك الفلسطيني لم ينجح في صد الهجمة الدبلوماسية التي تجندت لها إسرائيل، وأثمرت تلطيف مضمون وصيغة ولغة البيان الوزاري، الذي تنظر إليه حكومة نتنياهو بروح عدائية.
كانت هذه النتيجة متوقعة، نظراً لاختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، رغم أن مصالح أوروبا مع العرب أكبر وأوسع بكثير من مصالحها مع إسرائيل، غير أن الحديث يدور عن دول تتحالف تاريخياً مع الكيان الصهيوني منذ نشوئه، بل إن بعضها ساهم في إنشاء دولة إسرائيل.
ما يعني أن العرب لم يضغطوا بقوة لدعم التحرك الفلسطيني، وبما يخلق قدراً من التوازن في التأثير على قرار دول الاتحاد، خاصة بعض الدول التي عرفت بمبادرتها السياسية كفرنسا وإيطاليا، وهما دولتان لعبتا دوراً أساسياً في تعديل صيغة مشروع البيان السويدي.
في هذا السياق فإن الدور الألماني والتشيكي السلبي إزاء المشروع السويدي يبدو طبيعياً، فلقد تصرفت ألمانيا كل الوقت محكومة بعقدة المسؤولية عن الهولوكوست (المحرقة اليهودية على يد النازية)، كما أن تشيكيا محكومة لعقدة الحقبة الاشتراكية، وبالتالي تميل غالباً للتحرر من تلك العقدة، بدعم السياسات الإسرائيلية والأميركية.
الفلسطينيون رحبوا بالبيان، رغم عوراته المكشوفة، سواء لكونه يجدد التزام أوروبا بقرارات الشرعية الدولية، التي تتصل بقضايا مصيرية مهمة كالقدس والاستيطان وحدود الدولة الفلسطينية، أو لكونها تسجل موقفاً إيجابياً لصالح الفلسطينيين الذين يخوضون صراعاً مريراً مع الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، فضلاً عن أنه يعكس التزاما أوروبيا عمليا بمواصلة دعم بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية.
في المقابل ترى إسرائيل أن المواقف التي تضمنها البيان الأوروبي، تلحق ضرراً بآلية المفاوضات الثنائية، وتضع المزيد من العراقيل أمام السياسات الإسرائيلية إزاء بعض أهم قضايا ملف المفاوضات الدائمة.
لقد رفضت إسرائيل على الدوام كل القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة، وتعتبرها منحازة لصالح الفلسطينيين، ولذلك فإنها ترفض بشكل مطلق تلك القرارات كمرجعية لعملية السلام، وترفض بالمطلق أن تكون الأمم المتحدة هي الإطار التفاوضي الأساسي، كما رفضت وترفض تسييس الدور الأوروبي في عملية السلام، لتظل محكومة فقط للراعي الأميركي.
الأوروبيون قالوا ما لديهم، لكن إسرائيل لم تقل ولم تفعل بعد كل ما لديها إزاء الموقف الأوروبي ولإبطال مفاعيله. وإذا كانت القارة العجوز، تفتقر إلى الطاقة الكافية لتحريك سياستها ومصالحها إزاء جوارها، بما يتناسب وقوتها الاقتصادية والحضارية ومكانتها بين الكتل الدولية الأخرى، وبما يؤكد استقلاليتها عن السياسة الأميركية التي تشهد تراجعاً حثيثاً وتلاقي الفشل في غير مكان على هذه الأرض.. إذا كان ذلك وأكثر منه صحيحاً، فهل يمكن أن تكون أوروبا الموحدة قد اتخذت هذه المواقف بمعزل عن التنسيق مع الإدارة الأميركية؟
إن كان الموقف الأوروبي مستقلاً عن المواقف الأميركية فهذا جيد، إذ يعتبر بداية الغيث، أما إن كان منسقاً، وهو الأرجح، مع الإدارة الأميركية، فإن الأمر قد يدخل في إطار التكتيك السياسي الذي يستهدف تحريك العملية المتوقفة عند التصلب الإسرائيلي إزاء الاستيطان وتهويد القدس.
ولقد وقفت الإدارة الأميركية عاجزة أمام التصلب الإسرائيلي، والذي يرفضه الفلسطينيون بدورهم متسلحين بموقف عربي ودولي واضح إزاء هذه المسألة. فالإدارة الأميركية غير قادرة على ممارسة الضغط على إسرائيل، ولا هي على ما يبدو مقتنعة بممارسة ضغط على الفلسطينيين إزاء موقف كانت هي من بادر إلى اتخاذه قبل التراجع عنه.
في كل الأحوال، فإن تقدم الموقف الأوروبي على هذا النحو، وإن كان غير كاف، إلا أنه يوفر مناخاً من التفاؤل لمواصلة النضال على جبهة الرأي العام العالمي، لكن تحقيق المزيد من الإنجازات على هذا الصعيد يتطلب أمرين: الأول، إنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق المصالحة والوحدة، مما يفقد إسرائيل فرصة التلاعب على التعارضات الفلسطينية، ويشكل أساساً قوياً لتحقيق الأمر الثاني، وهو توحيد الموقف العربي، ورفع مستوى الجهد السياسي المبذول في التعامل مع الفاعلين الدوليين، على أساس لغة المصالح.
كاتب فلسطيني