هل الحياة إلا لحظاتنا المتأرجحة بين الأمل والترقب؟ أكاد أشعر أننا في كل لحظة أسرى هذه الرغبات، المنقادة طوعاً أو كرهاً لما ظهر وخفي من أمور قد ندركها أحياناً، وقد تقع خارج حيز مدركاتنا في أحايين أخر، لكننا ـ في كل الأحوال ـ نهفو إليها على الرغم من ذلك.
تمضي الحياة ونحن نمضي معها، أو فيها، لا يهم الظرف الزماني كثيراً، المهم ما تحتويه «ظروف» العقل والروح، في ذلك المكان في الذات الذي لا يصل إليه إلا الأقرباء الخلّص، وهم قلة على كل حال، وقد يحدث أن يقضي بعضنا سنوات طوالا وهو على يقين من أن أحداً لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المكان، لأن خطوات مَن حوله جميعاً أقصر من أن تصل إلى ذلك المكان الأكثر علواً من أي مكان آخر في النفس.
إننا نُودِعُ، في ذلك المكان في النفس، كل ما نتمناه، ونأمله، وكذلك كل ما نترقبه، لأن ذلك المكان بعيد جداً لا يمكن لأحد أن يصل إليه بسهولة، وهو لهذه الميزة يستحق أن يُستأمن على رغباتنا الأكثر خصوصية، كما يُستأمن على الرغبات الأشد إسعاداً لنا، التي نرجو تحققها، سواء على المدى البعيد أو على المدى القريب.. ما بين الأمل والترقب..
الأمل.. كلمة بيضاء، تكسو أيامنا ببياضها، وتضيء سواد ليالينا بأنوارها، تترك لنا مساحة لنتنفس بارتياح، ونحن نقبع بين أضراس هذه الحياة الصعبة التي تستلذ بمضغنا، وتتسلى مستمتعة «بمزمزة» أعصابنا. وإذا بحثنا فيمن حولنا، سنجد أن الليالي تختلف عندهم في درجة سوادها ومقدار الإضاءة الموجودة فيها، من شخص لآخر.
فالنجوم موجودة في السماء باستمرار، لكن إدراكنا البصري لها يتفاوت باختلاف الأشخاص والأعين. لن يختلف عددها كثيراً من زاوية لأخرى في المكان نفسه، لكنه سيبدو مختلفاً باختلاف الأعين والنفسيات التي تبصر عبر تلك الأعين، وسيختلف بذلك الحكم على درجة سواد الليلة كلها.
وعلى الرغم من الجَمَال المكسوّ بياضاً الذي تبدو عليه كلمة «الأمل»، إلا أنني أرى أن كلمة «الترقب» منافسة قوية لها، بل إنها قد تكون بالفعل أكثر جمالا منها، على الرغم من ابتعاد حروفها عن اللون الأبيض المشعّ بإصرار من كلمة «الأمل».
فالأمل يعطي انطباعاً بوجود حيز زماني ممتد وكبير، وهو ما يبعث في النفس والروح طمأنينة وسكينة بجمال القادم من الأيام، في حين تقلص كلمة الترقب البعد الزماني إلى أقل حد ممكن، وتجعل ذلك الشيء المطلوب وشيكاً قريب المنال، على بعد خطوات بسيطة من التحقق، وهذا هو ما يمنح هذه الكلمة بريقاً خاصاً، في زمن أصبح كل شيء فيه يمشي بإيقاع سريع يكاد يخنقنا، ولكننا لا نملك إلا الاستجابة له.
نعيش ـ بتفاؤل شديد ـ بين ظلال أحاسيس الأمل بتحقق شيء نريده ونسعى إليه، أو باقترابنا من تحققه يوماً بعد يوم على المدى الزماني الطويل، وبين أهداب ترقبنا لما نشعر بقرب حدوثه وتحققه، فقد يغير الله من حال إلى حال في غمضة من تلك الأهداب. ولكن لا أظن أن هذه الأحاسيس خاصة فقط بالأشخاص المتفائلين، إذ لا تخلو نفس بشرية من تلك الزاوية القصية التي تختبئ فيها المآرب والغايات والرغبات، مهما كانت درجة تشاؤمية تلك النفس.
فأحاسيس الأمل والترقب هي بمثابة الأكسجين الذي يغذي الروح، وهي التي تدفعنا للبقاء والاستمرار في هذه الحياة، ولو غابت عنا مثل هذه الأحاسيس ستفقد حياتنا معناها وستفرغ من قيمتها الإنسانية، لأننا سنبدو حينها وكأننا نعيش كي نقوم بما تقوم به ذوات القوائم الأربع من أكل وشرب ونوم وتكاثر، دون أن يكون هناك هدف نسعى إليه أو أمر ننتظر تحقيقه.
وحين تصبح أيامنا غبراء اللون في أعيننا، وتصبح ليالينا شديدة السواد خالية من النجوم المضيئة، لا بد أن نعود إلى دواخلنا لنتأكد من أننا نمارس حقنا الطبيعي في الأمل والترقب بالقدر الكافي.
فمن المحتمل أن نكون قد غفلنا عن القيام بذلك لبعض الوقت، أو أننا لا نمنح أنفسنا وقتاً كافياً لممارسة ذلك، مستسلمين لظروف الحياة تأخذنا حيث تشاء، منقادين لما هو خارجنا أكثر من استجابتنا لاستغاثة ما هو داخلنا، وهو من الأخطاء التي يتكرر حدوثها معنا، لكننا لا ننتبه لها «كثيراً»، ربما لأننا لم ندرك أهميتها «كثيراً» حتى الآن.
جامعة الإمارات