عندما انتشرت الصحف في الوطن العربي إبّان القرن العشرين، أخذ فن المقال مكانه على صفحات الجرائد والمجلات التي كانت تصدر بين الفينة والأخرى، كمجلة الرسالة، وفتاة الشرق، والأستاذ، وغيرها من الدوريات التي حملت بين طيات صفحاتها مقالات أدبية لكبار الأدباء العرب من أمثال أحمد الزيّات، والرافعي، وطه حسين وغيرهم.
بل إن الأديب إن أراد أن يدخل عالم الإبداع الأدبي، كان عليه أن ينشر مقالاً في إحدى المجلات أو الصحف آنذاك، وهو تقليد نفتقده في إعلام اليوم. فإعلامنا العربي، والعالمي أيضاً، لا يحمل للقارئ إلا أخبار التفجيرات والقتل وفشل الانتخابات، وغيرها من القضايا التي تهم مجموعة من البشر وليس البشر كلهم، شأنها في ذلك شأن باقي القضايا الأخرى.
لذلك، أحببت هنا أن أحيي تقليداً جميلاً لأدبائنا العرب الذين أنارت كلماتهم دروب شعوبٍ كثيرة، علّ جرائدنا ومجلاتنا تفسح المجال لمزيد من المقالات الأدبية، التي لا تقل في مكانتها عن المقالات السياسية.
إن ما يميّز المقالات الأدبية أنها انطباعية في غالبيتها، تصور المشاعر والملاحظات دون تحليل عميق، أو أرقام مربكة. وما بين أيديكم هي بضع رسائل أرسلتُها إلى صديق عزيز، قال لي يوماً إنه يشعر بالحاجة إلى حب جديد، فكتبت له ما يلي:
الحب يا صديقي، صيرورة، لا تدرك كنهها.
كالنار والفراغ، كالروح والوجود، كالزمن والخلود، لم يستطع حتى ابن رشد أن يجد له حيزا. الحب هو النور الذي لا تحده الجهات الأربع، ومتى ما انبثق لا تعود للظلام ذكرى في سجل التاريخ.
الحب مثل الذكريات، يملي علينا ولا نملي عليه، يأتي إلينا ولا نذهب إليه، يقتلنا ولكننا نشتاق له. لا تهرب من الذكريات، فهي معك حتى وأنت تفارقها، وكلما ابتعدت عنها كلما اقتربت منك.
كن معشوقا ولا تكن عاشقا، فإن تعشق يعني أن تبحث عن الحب، كالذي يسعى أن يرسم فراغا في لوحته.. ياله من مجنون! كيف يمكنه أن يجد الفراغ؟ الحب هو اللاشيء يا صديقي، وبوجوده يوجد كل شيء، فبضدها تعرف الأشياء.. وبدونه تصبح الحياة هي الموت.
أتعرف ما هو الضد؟ هو الشيء الذي تتحاشى أن تحصل عليه طوال حياتك، وإذا ما وجدته صدفة، تدرك أن حياتك كانت هباء قبله. كم هو جميل أن نجد أضدادنا في الحياة، فهم فقط من يجعلنا نسعى للكمال.
وهم أيضاً من يجعلنا ندرك أن الحب ليس في الجمال والسعادة فقط، بل أجزم بأن التعاسة هي فتيل الحب، فلولا رحيل خولة لما قال طرفة بن العبد: لخولة أطلال ببرقة ثهمد، تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.
أتعرف ما هي الأطلال؟ هي الأشياء التي نخاف منها ونسعى في سبيلها دون أن نشعر. هي الألم اللذيذ، هي الإشفاق على النفس والاستمتاع بشقائها.
هي الحب يا صديقي.. الأطلال هي الحب، فلا تقف عليها كثيراً. لا موت في الحب، كما أنه لا حياة فيه. الحب جدلي الوجود، لا يتحقق إلا بوجود العنصر وانتفائه، دون أن يجتمعا فيقضي أحدهما على الآخر. كالخير والشر، الروح والمادة، النور والظلام، والموت والحياة، تمأما مثل ضفتي النهر، تسيران جنبا إلى جنب، فإن التقتا توقف تدفق المياه وتحول النهر إلى بحيرة.
أتعرف ما هي البحيرة؟
هي نهاية الحب وبدايته. هي مزيج من كل التجارب التي مرت بها مياهها، من صخور وحفر، أشجار ونباتات، وهي لوحة كبيرة عملاقة، تجسد كل ما مرت عليه مياهها من صور ومناظر خلال سفرها الطويل، ولذلك يمكن تقدير عمر البحيرات ولا يمكن تقدير عمر الأنهار.
أتعرف ما هو السفر؟
السفر ليس الفراق، بل هو الانعتاق.. هو الانعتاق الأزلي من قشور الحياة والغوص في جوهرها. السفر هو اتحاد الجسد مع الروح من خلال البحث عن السعادة، التي هي أقصر طريق بين المرء وبين قلبه. السفر هو اللقاء الحميم بين العقل والفكرة التي لم تولد بعد.
أتعرف ما هي الفكرة؟
هي تجسيد لحياتنا الأولى، هناك في الأزل البعيد، في ذاكرة الكون، وفي أحلام الزمن. هي الحياة التي نتمنى لو أننا ننتمي لها حتى وإن كانت قاسية، فهي على الأقل تمثلنا نحن ولا تشقى بنا كحياتنا هذه التي نشقى بها.
أتعرف ما هي القسوة؟
هي رغبتنا في أن نكون مخلوقات أخرى غير البشر. القسوة زمن آخر، طويل قصير، نريده أن يستمر ويريد هو أن ينصرف. عندما نقسو نعود إلى طبيعتنا الرملية الأولى، التي يحيلها الماء إلى طين، ثم تحيله القسوة إلى حجر.
الحب هو القسوة يا صديقي.. هو القسوة، فلتحنُ على نفسك قليلا.
المحب يهوى الماضي ويخشى المستقبل، فالماضي بالنسبة له بقاء، والمستقبل فناء. أما الحاضر فإنه كالشفق الذي نعشقه بسرعة ثم نتمنى زواله حتى لا نسأم لونه ومكانه.
أتعرف ما هو المكان؟
هو حالة إنسانية يختصم فيها العقل والقلب، فالعقل يسعى دائماً لتأطير كل شيء وتحويل المحسوس إلى ملموس، أما القلب فإنه يؤمن بأن المكان هو كل ركن يصل إليه النور، ولا يأبه إن كان المكان موجودا أم لا. هل السماء مكان؟ السماء وجود نعلم أنه هناك ولا ندري أين، ولذلك، كان الإيمان السماوي محله القلب وليس العقل.
أتعرف ما هو الإيمان؟
يعتقد البعض أن الإيمان هو نقيض الشك، ولا يدركون أن الشك هو جزء من الإيمان. فعندما تشك فإنك تسعى لمعرفة الحقيقة، وعندما تجدها فإنك تجد الإيمان عندها. الإيمان حاجة كونية، نحتاجها لكي نحب.
لا يمكننا أن نحب من لا نؤمن بهم، ولكننا نؤمن بمن نحبهم. إن الحب الذي لا يمنحنا الإيمان بأنفسنا هو حب ناقص، لم يعرف طريقه إلى القلب. أليس الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل!
الحب هو الإيمان يا صديقي.. هو الإيمان، فلا تكفر به.
كاتب إماراتي
