في اليوم الذي عقدت خلاله قمة الوظائف في واشنطن، كنت في توليدو بولاية أوهايو وفي ديترويت وميتشغان، وقد بحثت القمة العديد من الوظائف التي استهدفت إيجاد فرص عمل، ولكن ما أنجزته بصفة أساسية، هو وضع الوظائف مجددا على الأجندة القومية الأميركية، حيث تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما خلالها بـ «تركيز كل يوم على الكيفية التي يمكننا بها إعادة الناس إلى العمل».

وقد كان حريا بالرئيس الأميركي أن يعقد القمة في توليدو أو ديترويت، بدلا من عقدها في قلب واشنطن. فالعالم يبدو مختلفا إلى حد كبير لدى النظر إليه من هذين البلدين، وديترويت مدينة يعمها الاضطراب، وتعكس اقتصادا تردى من صانعي السيارات الثلاثة الكبار الذين يقدمون وظائف جيدة ذات مزايا متعددة، إلى اقتصاد يعتمد على الكازينوهات. وفي توليدو تمتلئ مراكز الإيواء بعائلات حسنة المظهر، وبأناس عاملين يحسون بالصدمة، حيث يجدون أنفسهم في تلك المراكز.

وقد التقيت بطلاب في المرحلة الثانوية ودعوتهم إلى الاجتهاد في الدراسة، فقال فتى منهم يدعى كارلوس، هو نجم في كرة القدم: «إنني لا أدرس»، وأكد مدرسه في حزن صحة ما قاله. وقابلت كارلوس على انفراد، فقال لي: «إننا نقيم في مركز إيواء»، فسألته عن مكان هذا المركز لأنني أريد محادثة أبويه، فقال: «إننا لا نقيم في مكان واحد بعينه، وإنما ننتقل كل أسبوع من مكان إلى آخر». إن عدم وجود بيت يعني غياب الأمان، وغياب الأمل، لذا علينا أن نتحرك الآن.

فقد الأميركيون أكثر من 8 ملايين وظيفة، والعديد من هذه الوظائف لن يقدر له أن يعود مجددا. ويقول المركز القومي الأميركي للتشرد والفقر، إن عدد المشردين الأميركيين زاد بنسبة 61% منذ بداية الركود في ديسمبر 2007، وزاد عدد الأميركيين الذين يعانون من الفقر 5 .2 مليون شخص في عام 2008، واستمر في الزيادة. ويعاني حوالي 49 مليون أميركي من العوز، الذي تسميه الحكومة بالافتقار للأمن الغذائي، وهو في جوهره الجوع السافر. ويستخدم 36 مليون أميركي الآن كوبونات الغذاء، وهو ما يعكس زيادة نسبتها 25% العام الماضي.

وفي ضوء «إصلاح الرفاه»، فإن خمسة ملايين من الآباء والأطفال فقط هم الذين يحصلون على مساعدات نقدية، بينما العمال الفقراء، وبصفة خاصة الأمهات العازبات، يسقطون في هوة لا قرار لها.

إن هذا الواقع يعد مدمرا بالنسبة للفقراء وللبلاد، والناس يفقدون وظائفهم ومن ثم يعجزون عن سداد أقساط الرهون، وتواصل عمليات حبس الرهن الارتفاع، وتمنى أسعار البيوت بالركود ومن ثم بالتراجع، وتتعرض أحياء بكاملها للدمار على هذا النحو، وتنخفض عوائد ضرائب الولايات والمجتمعات المحلية، ويتم طرد المدرسين ورجال الشرطة من وظائفهم، وتتراجع أنشطة الأعمال.. وتستمر الحلقة الجهنمية.

وكما أشار الرئيس الأميركي في قمة الوظائف، فإن معظم العجز يأتي من العجز الهيكلي الموروث من إدارة بوش أو التناقص في عوائد الضرائب والزيادة في التكاليف المرتبطة بالركود، وأضافت خطة الإنعاش المبلغ الأقل. وفي ضوء التخفيضات في إنفاق الولايات والإنفاق المحلي، فقد كانت هذه الخطة أصغر مما ينبغي، وليست أكبر مما ينبغي كما يروج البعض.

إننا بحاجة إلى برنامج جريء لإيجاد الوظائف، يبدأ بالتشغيل في الخدمات العامة، وبصفة خاصة تشغيل الشبان والشابات في المدن الداخلية والمناطق الريفية. ونحن بحاجة إلى تقديم المساعدة للولايات والمجتمعات المحلية، لتجنب حدوث تخفيضات كبيرة. ونحتاج إلى إيجاد سبل وقنوات لإعادة الناس إلى العمل، ونحتاج إلى التزامات قصيرة المدى وطويلة الأمد لإعادة بناء أميركا.

وعندما ينطلق الاقتصاد ويعود الناس إلى العمل، فإننا يمكننا التوصل إلى الكيفية التي نقلص بها العجز، وهو جهد يدور جانب كبير منه حول السيطرة على تكاليف الرعاية الصحية.

إن ما لا يمكننا السماح به هو ترك الفقر ينتشر وفقدان جيل بكامله، ولكن في هذا المنعطف يقال إن البيت الأبيض لا يفكر إلا في برامج محدودة ذات أهداف محددة، وصفتها صحيفة «فاينانشال تايمز» بأنها ضيقة النطاق.

هذا لن يكفي، والذين أصابتهم هذه الأزمة أكثر من غيرهم، لا بد من تنظيم صفوفهم. فقد آن الأوان لتحرك جماعي منظم، وللقيام بحملات نشطة على امتداد أميركا. لقد أدرك مارتن لوثر كينج أهمية العمل المباشر، فمن خلال التحرك الجماعي يعبر الفقراء عن إنسانيتهم، ويوجدون منتدى يروون فيه قصصهم، والتحرك الجماعي لا يظهر استعدادهم فحسب، وإنما يظهر انضباطهم أيضا، ويحشد الحلفاء، ويدعم قضيتهم.

اليوم يبدو الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، والمشردون، والعائلات التي أجبرت على ترك بيوتها والإقامة في مراكز الإيواء في أميركا، محتجبين عن العيان. وقد آن الأوان للتحرك والعمل معا وسويا، فالأزمة تسحق البشر، وهم بحاجة إلى التحرك الآن بجرأة، وضمير الناس ينبغي أن يمضي قدما مع صوتهم، ولا بد لنا من التحرك سويا لجعل أصواتهم تدوي في الآفاق.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae