اعتدنا أن يكون الزعيم السياسي هو صاحب صفات كاريزمية من نوع خاص، لعل أهمها نبل الأخلاق وصفات الفارس، والبراغماتية، وإذا أضفنا بعض الملامح العربية فسنقول الكرامة والشهامة والنخوة.
ولكن في وقتنا المعاصر يستوقفنا بعض الأسماء التي تعتلي قمة الهرم السياسي هنا وهناك، ورغم ذلك تجدها أسماء متورطة في كثير من الفضائح التي يندى لها الجبين، والمفارقة أنها تظل محبوبة، ومرغوبة، بل يذهب البعض في تعليقه على هذه الشخصيات إلى أنها أفضل من أي زعيم عربي، ما دام هذا «الزنديق» يحكم شعبه ويوفر لهم المناخ المطلوب للحياة الكريمة!
ولعل المقارنة هنا مجحفة، خاصة وأن الروائح الكريهة التي تنبعث من كواليس هؤلاء الفاسدين أخلاقيا، لا تدع المجال لاستلهام تجاربهم الناجحة ومحاولة تطبيقها.
ويذكر لنا التاريخ المعاصر أسماء لامعة، بعضها شغل الرأي العام طويلا وانتهى به مطاف فضائحه إلى ولاية جديدة، ضاربا عرض الحائط بالأبجديات الأخلاقية، وآخرون لا يزالون على دكة السياسة يمارسونها، ويتباهون بحرياتهم الشخصية التي تخدش الحياء، وتقدم لنا بشكل شبه يومي فصولا جديدة تسقطهم من أعلى السلم، ليعودوا في صباح اليوم التالي للصعود، وربما بقوة أكثر.
حين لمع نجم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون كأصغر رئيس يحكم الولايات المتحدة، لم يكن في حسبان الأمة الأميركية أنها راهنت على زير نساء، وبعد مضي فترة ليست بالطويلة برز على السطح اسم مونيكا لوينسكي، المتدربة في البيت الأبيض التي حظيت بشهرة واسعة نتيجة علاقتها المشبوهة بالرئيس الأميركي الشاب، مما وضع عائلة كلينتون ومستقبلها السياسي أمام مهب الريح. لكن هذا الرئيس الذي أثار ثائرة المحافظين، لم يسقط أبدا، بل كان مفخرة حزبه واستطاع أن يتمتع بشعبية كبيرة جدا في أوساط الديمقراطيين، وهو رمز لفترة ازدهار شهدها الحزب.
وبعد انتهاء ولايته لم ينعزل كلينتون متواريا بفضائحه، بل عمل جاهدا على تبييض صفحته، وقام بجهد كبير في طرح المبادرات السلمية والإنسانية، حتى سميت قمة محاربة الجوع والفقر «مبادرة كلينتون العالمية»، وأنشأ مؤسسته الخاصة بمكافحة الايدز، وفاز بجائزة غرامي مع صوفيا لورين وميخائيل غورباتشوف.
ولكن يظل السؤال؛ هل ينسى العالم هذه الفضيحة التي كادت أن تحطم مؤسسته الزوجية؟ ربما الجواب لا، فهذا الزوج «الخائن» أثبت أن لديه التزام ومسؤولية الأب والزوج، وتبادل مع زوجته هيلاري المرشحة لمنصب رئيس الولايات المتحدة، وفاء نادرا للدعم المعنوي، قد يثير حنق الزوجات اللاتي يعانين من غيرة أزواجهن لنجاحاتهن المهنية.
هذا المثال الصعب لفساد أخلاق سياسي مرموق، يقابله نجاح على الصعيد الإنساني ربما يتفوق حقيقة على ما نعايشه من تساقط مفجع لبعض الزعامات التي تعاني منها شعوبها الأمرين، فلا حياء ابقوا ولا عدلا أقاموا. لذلك حين يتعمق الإنسان البسيط في هذه الأمثلة الواقعية لبعض السياسيين، يجد أن الأمثال لم تخلد اعتباطا، وأن مثل «اللي اختشوا ماتوا» ينطبق بحذافيره على ساسة الظلام، الذين يحكمون شعوبهم بالحديد والنار ويمارسون عهرا سياسيا أقرب للفاحشة.
المثال الآخر المثير للغرابة، ولعله الأكثر لفتا للأنظار نظرا لبجاحته واستعراضه لمغامراته العبثية المستمرة، هو سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا، والذي هو أيضاً إمبراطور الأعمال والذي يضع منظما لضربات القلب ويبلغ من العمر عتيا، لكنه بات محط حسد الشباب الايطالي نظرا لمحافظته على شبابه الدائم، وبمعنى أدق مراهقته.
ويقف خلف هذا الرئيس المتهتك أخلاقيا والمتهرب ضريبيا، «ترباس» من الدعم من قبل اليمين الإيطالي، فهو الذي خرج على الشعب في حملته الانتخابية بنبرة تعبوية ظل يعتمدها منذ دخوله المعترك السياسي، فركز بصورة خاصة على نقاط ضعف خصومه اليساريين، وندد بانقساماتهم وبالوعود التي قطعوها بتحريك عجلة الاقتصاد دون أن تتحقق.
وتولى برلسكوني للمرة الثالثة رئاسة الوزراء في بلد يواجه وضعا اقتصاديا صعبا، ورغم ذلك نجد أن هذا الكبير في منصبه وعمره، يبقى المادة الدسمة لوسائل الإعلام ول«باباراتزي» الذين يقدمون كل يوم حلقة جديدة في مسلسل مغامراته العاطفية. والطريف أن يهتم أحد بتوثيق هذه المغامرات في كتاب ويلقيه في وجه القراء!
وإحقاقا للحق، فإن برلسكوني لا ينكر هذا الجانب من شخصيته، بل بادر إلى حضور قداس توبة خاص قاده أحد كرادلة الفاتيكان البارزين، خاصة بعد أن أشيع أن بابا الفاتيكان قد غضب من حماقاته الجنسية المستمرة. ويواجه برلسكوني الذي يمتلك إمبراطورية إعلامية، تهما بتهرب ضريبي تبلغ قيمته 45 مليون دولار، مارسته شركة «ميدياسيت» التي يرأسها خلال الفترة ما بين عامي 2000 و2003.
العجيب في شخصية برلسكوني، وهو يعيش هذا الجو المعبأ بروائح تزكم الأنوف، أنه ينظر لنفسه نظرة اعتزاز، وقد صرح بأنه يعتقد بصدق أنه وبفارق كبير، أفضل رئيس وزراء حظيت به إيطاليا على مدار مائة وخمسين عاماً من تاريخها! والمضحك أن يرى البعض أن الشر يتمثل برلسكوني نفسه.
كاتبة إماراتية