لعبة كرة القدم لعبة قديمة جدا، إذ إنها تستجيب لحاجات طبيعية في الإنسان: الحاجة للعب أولا، والميل إلى المنافسة والرغبة في التفوق على «الآخر»، أياً كان هذا الآخر؛ حبيبا يسكن في جواري، أو فريقا لمدرسة غير مدرستي، أو لنادٍ غير النادي الذي أنتسب إليه، أو لدولة غير دولتي.. الخ. وهي تتطلب حركة مستمرة، وبسرعة، والإنسان يحتاج إلى الحركة كما يحتاج إلى الراحة.

وهي فوق هذا لعبة سهلة، يسهل فهمها لمن يريد أن يلعبها أو يرغب مشاهدتها، وتعتمد على المهارة أكثر مما تعتمد على الحظ، بل لا تكاد تعتمد على الحظ إطلاقا، ومن ثم فإنها يمكن أن تثير الحماس لإجادتها، والإعجاب من الآخرين بسبب هذه الإجادة. وهي فوق هذا كله لعبة رخيصة، لا تكاد «تتطلب» أكثر من كرة، وبعض الأعمدة لإقامة الهدف الذي تسلط إليه الكرة.

هذه الأعمدة يمكن صنعها من أي شيء يتوفر للاعبين، فإذا لم تتوفر أعمدة خشبية أو معدنية، أمكن الاستعاضة عن ذلك بحجرين أو طوبتين. وأما الكرة، فالأفضل أن تكون مصنوعة من المطاط، ولكن يمكن الاستعاضة عن ذلك بكرة مصنوعة من الجلد أو القماش، ولا بأس حتى من استخدام شراب قديم، ومن ثم شاع تعبير «الكرة الشراب»، للإشارة إلى ما يلعب به أحيانا سكان الأحياء الفقيرة في شوارعهم وحاراتهم.

اللعبة قديمة جدا إذن، ولأسباب مفهومة تماما. ولكن من الصحيح أيضا أنها لم تحظ دائما بهذه الدرجة من الشعبية والانتشار والشهرة التي تحظى بها الآن. فما السبب يا ترى؟

إن شهرة أي لعبة لا تتوقف فقط على عدد ممارسيها، بل تتوقف أيضا على عدد مشاهديها. وكلما زاد عدد المشاهدين زاد عدد الممارسين، فيزداد بذلك عدد المشاهدين مرة أخرى، وهكذا في حلقة مفرغة وتراكمية. لا شك أنه لهذا السبب لعب اختراع التليفزيون وانتشاره، دورا مهما في زيادة شهرة كرة القدم ومبارياتها.

لم يكن من الممكن لأعداد كبيرة من الناس متابعة مباراة في كرة القدم، قبل التليفزيون، إلا عن طريق الإذاعة. ولكن متابعة مباراة كهذه عن طريق الإذاعة لا يمكن مقارنتها بمشاهدتها على شاشة التليفزيون (إذ ليس من سمع كمن رأى)، فلما انتشرت القنوات الفضائية، أصبح من الممكن أن يتابع مئات الملايين من الناس سير المباراة، في نفس الوقت الذي تحدث فيه. أدى هذا إلى أن زادت شعبية مباريات كرة القدم، وأن يحقق لاعبوها شهرة عالمية، فيتحولوا إلى نجوم كنجوم السينما، ويتقاضوا أجوراً مثل أجورهم. ومتى حدث هذا زاد اهتمام الناس برؤيتهم ومتابعة أدائهم، فإذا بهم يشتهرون أكثر، فيصبح اهتمام الناس بهم أكثر مما كان... وهكذا.

لهذا أعتبر أن المسؤول الأول عن انتشار كرة القدم وازدياد الشغف بها إلى هذا الحد، هو ظاهرة «الجماهير الغفيرة». وقد سبق أن وصف كثير من الكتاب والمفكرين العصر الذي نعيش فيه بأنه «عصر الجماهير الغفيرة»، أي العصر الذي يتحكم فيه مجرد العدد الكبير من الناس، فيفرضون رغباتهم وأذواقهم على أنواع السلع والخدمات والسلوك السائدة.

وحيث أن الأنواع الراقية جدا والمتدنية جدا من السلوك والأذواق، صغيرة الحجم بالضرورة، بالمقارنة بالأنواع المتوسطة، فإنه في عصر الجماهير الغفيرة يسود «النوع المتوسط»، أي ذوق الرجل المتوسط والمرأة المتوسطة، وأقصد بذلك متوسطي الذكاء والثقافة والتعليم والذوق، بل والأخلاق أيضا.

في ضوء هذا التحليل، نظرت إلى ما حدث بين مصر والجزائر في الأسابيع القليلة الماضية، مما استدعى الكثير من الأسف، بل والحزن، ليس فقط بين المصريين والجزائريين، بل وبين سائر العرب، كما أثار الإشفاق من أن تكون هذه هي الحال التي وصل إليها العرب، كالذي يدل عليه سلوك مشجعي كرة القدم في أكبر دولتين عربيتين سكانا.

لقد تابع الجميع ما حدث بين المصريين والجزائريين من عراك وشجار وسبّ وضرب، ورحيل أعداد كبيرة من المصريين من الجزائر ورحيل عدد كبير من الجزائريين من مصر، وتبادل الطرفان توجيه الاتهامات بل والإهانات، حتى بين المسؤولين والسياسيين في الدولتين. كل هذا بسبب مباراتين في كرة القدم! وقد لعبت وسائل الإعلام في الدولتين دورا سيئاً للغاية، في زيادة المشاعر التهابا وتأجيج صدر كل طرف ضد الطرف الآخر.

كل هذا له في رأيي تفسير واحد أساسي، وهو أننا نعيش في «عصر الجماهير الغفيرة»، وأن هذا العصر، وإن كانت له سيئاته في جميع البلاد، فإن سيئاته تزداد قبحاً وضرراً كلما انتشر الفقر وانخفض مستوى التعليم وارتفعت نسبة البطالة، وهو ما تعاني منه مصر والجزائر على السواء. كنا نتمنى أن يترفع المسؤولون في الدولتين عن مستوى جماهيرهم، فإذا بهم بدلا من أن يحاولوا رفع مستوى «الجماهير الغفيرة» وحثهم على التعقل وضبط النفس، انخفضوا هم إلى مستوى الجماهير، فزادوا النار اشتعالا.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu