أحياناً يكون تأثير الخسارة في الرياضة على الشعوب أشد من تأثير أية خسائر أخرى سياسية أو اقتصادية، وهذا أمر طبيعي، لأن الرياضة تمس مشاعر الأفراد بشكل مباشر، وتخاطب الجماعات بلغة واحدة يفهمها الجميع فهماً واحداً لا يحتمل الجدل، فهي إما مكسب أو خسارة. أما رجال الحكم والسياسة فيتعاملون مع الأمر بشكل آخر، ويبحثون عن الإنجازات في مختلف المجالات، وبقدر ما تفرح الجماهير بالنصر الرياضي بقدر ما يشعر الساسة ورجال الحكم بسعادة الإنجازات في المجالات الأخرى.

وقد مرت على روسيا فترة زمنية كانت من أسوأ ما شهدت في تاريخها، وهي فترة التسعينات من القرن الماضي، عندما شمل الإخفاق كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية أيضا، وكان الشعب الروسي آنذاك تزيده الخسائر الرياضية ألما وحزنا، إلى جانب خسائره في المجالات الأخرى، أما الآن فقد اختلف الوضع وتغيرت الأمور والأحوال، وتوالت الإنجازات والنجاحات لتعوض الشعب عن أية خسائر رياضية.

منذ أيام لم تستطع روسيا أن تفعل شيئا لتنتزع من سلوفينيا بطاقة التأهل إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم، بعدما سجل الفريق السلوفيني هدف الفوز في مرمى الفريق الروسي، قبل نهاية الشوط الأول من المباراة التي شاهدها قادة سلوفينيا وحضرها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف يوم 18 نوفمبر.

الرئيس ميدفيديف قال في تصريح صحافي عقب ختام المباراة، إنه غير راض عن نتيجة هذا اللقاء، غير أنه لا يزال يأمل أن يحقق اللاعبون الروس المزيد من النجاحات الباهرة في المستقبل. وأضاف: الحظ اليوم حالف سلوفينيا كما حالفنا من قبل في الكثير من الإنجازات الرياضية الأخرى، وهكذا طبيعة المنافسة في الرياضة، يوم لك ويوم عليك.

وكان واضحا أن الخسارة التي واجهت روسيا في ملعب كرة القدم في سلوفينيا، لم تغرس الكآبة في نفس الرئيس الروسي الذي أتى إلى سلوفينيا قادما من ستوكهولم حيث حقق النجاح، لا ريب، في لقاء سياسي مع قادة الاتحاد الأوروبي وقادة السويد، وهو آخر لقاء يضم قادة روسيا والاتحاد الأوروبي قبل إحداث تغيير نوعي للاتحاد، الذي أصبح له رئيس ووزير لتسيير الأمور في مجال السياسة الخارجية.

وحصلت في بادئ الأمر المفاجأة السارة عندما أعلنت السويد أنها تسمح لروسيا بمد خط أنابيب الغاز المسمى بالخط (أو التيار) الشمالي، وهو الخط الذي سيمكّن روسيا من نقل غازها الطبيعي إلى مستهلكيه في وسط وغرب أوروبا بطريقة مباشرة، في مياه بحر البلطيق السويدية. وكانت أوروبا من قبل تعارض هذا الخط وتبحث عن بدائل خارج الأراضي الروسية. وبذلك أعطت أوروبا، التي لا تستطيع الاستغناء عن الغاز الروسي، الضوء الأخضر للمشروع الروسي الذي سيعزز مكانة روسيا كمصدر أساسي للطاقة إلى أوروبا.

وكانت المفاجأة السارة الأخرى، حين عبر قادة الاتحاد الأوروبي عن تأييدهم لانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية في أسرع وقت. وعبر الرئيس الروسي بدوره عن رضاه لتزايد اهتمام أوروبا بانضمام روسيا إلى هذه المنظمة، مرجحا أن يكون قرار تكوين اتحاد جمركي يجمع روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان، هو السبب وراء تزايد اهتمام الأوروبيين بهذا الموضوع.

ووعد الرئيس الروسي بأنه سيختار في أقرب وقت، أقصر طريق للانضمام إلى المنظمة بين اثنين: الانضمام ضمن الاتحاد الجمركي، أو بشكل انفرادي. ويمكن القول إن أوروبا تتمنى لو اعتمدت روسيا الخيار الثاني الانفرادي.

هكذا تأتي الإنجازات لتغطي على الإخفاقات والخسائر، فليس أقسى على الشعوب من أن تشعر أن الأمور كلها سوداء.. هزائم في الرياضة، وفشل في السياسة، وتراجع في الاقتصاد والشؤون الاجتماعية. ولكن تستطيع هذه الشعوب أن تستوعب خسائر الرياضة بسهولة، طالما أن الحياة مليئة بالإنجازات التي تبعث على الأمل دائماً في التقدم.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru