انتقل خطاب شطر واسع من الحركة الوطنية الفلسطينية، من المطالبة بهدف التحرير إلى هدف الدولة. من المفهوم أن السعي إلى تحرير فلسطين، كان يعني ما هو أبعد من هدف الدولة على النحو الذي راح يتردد بكثرة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وتأكد في إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988.

فالتحرير كان يستهدف فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، الأمر الذي نص عليه الميثاق الوطني لمنظمة التحرير، قبل أن يتعرض للهجران والتقادم أو يترشح للإلغاء. المراد أن هدف الدولة في حدود 1967 قد ضيق نطاق هدف التحرير بمفهومه الأصلي، الدستوري إن شاء البعض. وعليه، تعتقد تيارات فكرية وسياسية فلسطينية وعربية، أن الدفع بهدف الدولة وإثارة قضيتها، إنما جاء ليجب فكرة التحرير الكامل لفلسطين، وأن القائمين على هذا الهدف يستخدمون ما تتمتع به قضية الدولة من جاذبية وبريق، للتمويه على تنازلهم عن هذه الفكرة.

النظرة المعمقة للمسافة بين مطلبي أو هدفي التحرير والدولة، تسوقنا إلى القناعة بأن هذه الانتقالة منحت إسرائيل ميزتين كبيرتين، أولاهما الاعتراف بمشروعية وجودها في حدود ما سمح للجانب اليهودي به في قرار تقسيم فلسطين لعام 1947. والثانية، غض النظر فلسطينياً وعربياً عن تمددها على مساحة أكبر مما سمح به هذا القرار.

وللتذكير فإن قرار التقسيم ضمن لليهود نحو 55% من قوام فلسطين التاريخية، بينما تعطيها حدود 1967 مساحة إضافية لتجعلها تصل إلى 78% من هذا القوام. ومع ذلك، فإن إسرائيل تمنعت طويلاً عن التعاطي أو التجاوب مع كل من هدفي التحرير والدولة، واحتاج الأمر إلى معارك عربية إسرائيلية طاحنة، وشلال من الدماء الفلسطينية المقاومة وانتفاضتين فلسطينيتين جبارتين، كي تقنع إسرائيل، نظرياً حتى اللحظة، بهدف الدولة دون استقرار على ماهيتها وحدودها.

غير أن من ينعم النظر في خطاب التسوية الإسرائيلي وما يحف به من إجراءات على أرض الواقع، لاسيما لجهة التوسع الاستيطاني في الأرض المحتلة عام 1967، يفهم أن الدولة الفلسطينية المقصودة إسرائيلياً، أقل شأناً بكثير من تلك التي ارتضاها وقنع بها المفاوض الفلسطيني.

والحال كذلك، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية أمام خيار من ثلاثة: إما التسليم بالمفهوم الإسرائيلي للدولة الفلسطينية، وإما العودة إلى هدف التحرير على خلفية المطالبة بفلسطين التاريخية كحد أقصى، أو المطالبة بفلسطين في حدود التقسيم لعام 1947 كحد أدنى، وإما إلقاء ملف الدولة في حدود 1967 في حجر «المجتمع الدولي»، ممثلاً في دوائر الأمم المتحدة أو اللجنة الدولية الرباعية وكل من يعنيهم السلم والأمن الدوليان. التحركات الفلسطينية الأخيرة توحي بالأخذ بالخيار الثالث، بحسبه الأقل كلفة والأوفر حظاً في استقطاب الدعم العربي، والأكثر اتساقاً مع الخطاب الدولي حول حل الدولتين، الإسرائيلية والفلسطينية.

والشاهد أن هذا الخيار، الحكيم إلى حد بعيد، قد راود الكثيرين ممن لاحظوا بغضب ولفترة ممتدة، المراوغة الإسرائيلية السمجة على مسار التفاوض. لكن فضل طرحه دولياً وبجرأة يحسد عليها، يعود إلى خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية للسنوات العشر الماضية. ففي محاضرة له في لندن (11/7/2009)، ذكر الرجل حرفياً أن «السلام الإسرائيلي الفلسطيني بات مصلحة دولية.

وإذا لم تفلح الجهود الدولية في إنجازه، فلن يكون هناك بدّ من اللجوء لإجراءات صارمة، مثل صدور قرار في مجلس الأمن يتم بموجبه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود قرارات الأمم المتحدة، وحل قضية اللاجئين، وقبول هذه الدولة عضواً في الأمم المتحدة، مع كل ما يعنيه ذلك للمنطقة وشعوبها».

يومذاك، قامت قيامة المسؤولين الإسرائيليين، حتى أن أفيجدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي، سخر من سولانا واصفاً إياه ب«الرجل الذي سيترك منصبه قريباً». وسواء كان إحياء دور الأمم المتحدة الفلسطيني من بنات أفكار سولانا أم من إبداعات العقل السياسي الفلسطيني، فإننا إزاء خيار يبدو مفهوما ومعقولاً، أقله لأنه يعبر عن وجود بدائل أمام الفلسطينيين، والسياسة فن صناعة البدائل.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com