عندما بدأت في السنوات الأخيرة الدولتان الأعظم تنشغلان بمشاكلهما الداخلية، حيث انغلقت روسيا على نفسها لترتيب بيتها الداخلي لإثبات وجودها من جديد، والولايات المتحدة تفرقت بحروبها الدموية وخروج بوش من البيت الأبيض دون رجعة، وبعدما انشغلت ألمانيا بصناعاتها الثقيلة، وضعفت نفسية بريطانيا بعد خروجها صفر اليدين وتبخرت أحلامها في تعاونها مع الولايات المتحدة لغزو العراق، وانكماش إيطاليا حول نفسها منذ خسارتها لمستعمراتها في إفريقيا..
وجدت فرنسا الوقت مهيأ لها للدخول إلى البيت العربي من أضيق أبوابه، الذي كان يملؤه ضجيج الولايات المتحدة قبل أيام، ولكن بهدوء وعلى أصابع القدمين حتى لا تصدر ضجة ملحوظة قد تثير سخط من لا يسمح بالجلوس في مكانه.
وحيث أن البيوت العربية الأخرى لم تعد تملك ما تقدمه لضيوفها الغربيين سوى كسرة خبز يابسة، والتي قد تكلف الضيف جيئة وذهابا أكثر من سعرها الحقيقي، فقد فضلت فرنسا اختيار البيوت العربية الكريمة الغنية التي تفيض بنفطها وسوقها وموقعها الاستراتيجي، متناسية بذلك ماضيها الاستعماري في شمال إفريقيا وجزء من الدول العربية التي تقع في ما كان يطلق عليه سابقا «الهلال الخصيب» الذي لم يعد بعدها خصيبا، ودخلتها بقدمها اليمنى. وأول باب دخلته بحذر وترقب كان باب دولة الإمارات، حيث تعرف أن هذه الدولة ترتبط بالولايات المتحدة الأميركية منذ استقلالها عن بريطانيا، بروابط من الصعب تجاهلها.
وعندما جاء الرئيس ساركوزي لزيارة المنطقة العام الماضي، ظننا في البدء أنه جاء لتقوية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ومناقشة بعض القضايا الهامة التي تمس المنطقة فحسب. ولكننا اكتشفنا أنه جاء وفي مخيلته أكثر مما تتحمله المنطقة، من أحلام اقتصادية وتجارية واستثمارية وعسكرية ونووية. أما الاهتمام الثقافي فلم يكن سوى المقبلات التي تفتح شهية الضيف. وبالفعل خرج بأكثر من 14 مليار يورو عبارة عن صفقات مختلفة ومتنوعة، ثم توارى عن الأنظار.
وقبل أيام سمعنا عن زيارة هادئة مماثلة إلى جارتنا الشقيقة المملكة العربية السعودية. وجاء ساركوزي بنفس الأحلام والآمال التي جاء بها إلى دولة الإمارات في العام الماضي. غير أنه فيما يبدو دخل السعودية بالقدم اليسرى. فقد قيل إن الاستقبال الاستثماري بعد الاستقبال الرسمي، لم يكن كما كان يترقبه هذا الرئيس الذي بدأ يعاني من تآكل في شعبيته في داخل بيته. فقد هبطت شعبيته في شهر نوفمبر الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ أن انتخب رئيسا للجمهورية الفرنسية في مايو عام 2007، وخسر ست نقاط مقارنة بالشهر السابق.
الوتر الحساس الذي بدأت سياسة نيكولا ساركوزي تعزف عليه حيثما ذهب في منطقة الخليج، هو: تسويق تقنيات الطاقة النووية. بالطبع الكل أصبح متلهفا لشراء هذه التقنية الخطرة، بعد كل ما قيل ويقال عن امتلاك إيران للطاقة النووية. وكانت القيمة الإجمالية للسعر المعروض من قبل حكومة ساركوزي على المملكة: 40 مليار دولار.
رقم هائل، سيساعد فرنسا على الخروج قليلا من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم منذ ما يقرب من العام. غير أن السعوديين كانت لهم وجهة نظر غير معلنة، ولم يفلح الطُّعم الكبير في اصطياد الحوت الخليجي.
وعاد ساركوزي، وفقا لبعض التقارير، بخفي حنين. وهناك من رد الصد السعودي إلى تناقضات السياسة الساركوزية في المنطقة مقارنة بسياسة شيراك المتزنة، والبعض الآخر رد سبب ذلك إلى أن المنطقة بدأت تشتم انتشار رائحة الاستغلال المادي البحت، الذي يسيطر على الزيارات الرسمية لرؤساء بعض الدول الصناعية الكبرى، وليس حبا في لون عيوننا، وأنه إن نضب النفط يوما ما فلن نسمع لهم حسا، وأن الهم الأكبر لديهم هو عقد الصفقات التجارية بمليارات الدولارات، والاختفاء بعد ذلك عن الأنظار. بينما نشأت العقلية العربية على العلاقات الإنسانية والودية والكرم، والوقوف مع الصديق في وقت الضيق، حتى لو دفع حياته ثمنا له.
المسألة إذن اختلاف في العقلية وفي التعامل، وعدم فهم لثقافة العربي التي يتعامل معها ساركوزي، فالخليجيون ليسوا يابانيين أو صينيين أو كوريين. ولا يجوز أن يدخل بعض الضيوف عليهم في بيوتهم بغرض إبرام صفقات بالمليارات ويتم استقبالهم أحسن استقبال ويعودون، إضافة إلى العقود المبرمة، بهدايا قيمة، وبعد ذلك تتغير مواقف أولئك الضيوف حسب اتجاهات الرياح والمصالح الخاصة.
وكأن العلاقة انتهت عند حد توقيع العقد، وكأنه لن تكون هناك عقود أخرى بعدها، أو كأن الخليجيين سيظلون في حاجة ماسة إلى الغرب مهما فعلوا بنا.
بالطبع هذا صحيح إلى حد ما، فنحن أصبحنا نرضى بكل شيء يصدر من الغرب، حتى لو اتهمونا بالتخلف والسذاجة والإرهاب والجور، لأننا في حقيقة الأمر تعودنا على أن لا نستطيع العيش بدونهم: من صناعة الإبرة إلى تقنيات الطاقة النووية، مرورا بالعطور الفرنسية والحاسبات الآلية الأميركية والسيارات الألمانية وحتى المكرونة الإيطالية..!
إن إبقاءنا على حال المحتاج إليهم، هو سياسة غربية ناجحة تكلفنا مليارات الدولارات يوميا، إضافة إلى نظرة الاستخفاف بعقولنا، وكأننا مجرد بئر نفط نائم!
جامعة الإمارات