على ضفاف الشارع الخامس تتلألأ ضوضاء الكون، وتنير أصوات الشارع طرقاته المكتظة بالناس والآلات. يعتقد البعض أن الآلة عدوة الإنسان، فهي التي سلبته حريّته، وهي التي دمّرت كوكبه، وهي أيضاً التي تقتل أخاه الإنسان كل يوم. يا لجهل البشر الذين لم يؤتوا من العِلم إلا قليلاً!
فلقد أوتوا علوم تصنيع الآلة بأنواعها، ولكنهم لم يحسنوا استخدامها، فالآلة التي يفجّر بها الإنسان المدن ويبيد الحرث والنّسل، هي نفسها الآلة التي تحرث الأرض وتخرج له خيراتها. والآلة التي يدوس بها الإنسان أخاه الإنسان وسط الشارع دون اكتراث، هي نفسها التي توصله إلى المستشفى في حالات الطوارئ لتنقذ حياته.
على ضفاف الشارع الخامس في نيويوك، يتسابق الناس حتى في الأعياد والإجازات، ليس للوصول إلى خط النهاية، فنهاية أحدهم قد تحل به قبل أن يبدأ السباق، ولكنهم يتسابقون بحثاً عن المجهول، وبحثاً عما يَعِدُون به أنفسهم كل يوم، بحثاً عن الأمل، ذلك الذي قال عنه الطغرائي:
أُعَلّلُ النفس بالآمالِ أرْقُبُها ما أصعَبَ العيشَ لولا فسحةٌ الأملِ
تُرى ماذا كان الطغرائي سيقول لو مرّ في الشارع الخامس؟ هنا حيث البشر لا يعرفون البشر، فالكل منشغل بما يدور في رأسه هو فقط، وتَراهم بسبب ذلك يمشون مطأطئي الرؤوس، تغويهم الفكرة حتى وإن كانت عابرة. ظننت أنّهم يراقبون أحذيتهم، فتذكرت حينها مقولة أحد أساتذتنا في الجامعة: «إن كل من يريد أن يعمل في الحكومة بعد تخرجه، فهو لا يرى أبعد من قدميه». وفكّرت حينها لماذا ينتقد الناس قِصَر النظر؟
هل على كل إنسان أن ينظر أمامه لكي يحظى باحترام العالم؟ كم عالم رياضيات وفيزياء وفلك حققوا نتائج علمية وأنتجوا اختراعات أفادت الإنسانية دون أن ينظروا إلى الأمام؟
فكم من هؤلاء كان يخاف الحديث مع الناس ويخشى الأماكن العامة، فازدراه المجتمع دون أن يعلم أنّه أبرّ أبنائه وأصلحهم!
سمعت يوماً عن رجل أُدخِل إلى غرفة العمليات لكي تجرى له عملية جراحية، وقبل أن يضع طبيب التخدير المخدر في يده قال المريض: «انتظر، أريد أن أقول لك شيئاً. كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
عندما خرج الطبيب أخبر ابن المريض بما جرى وسأله عن السبب، فقال له: «إنّ أبي رجل بسيط، لم يحقق في حياته شيئاً يستحق الذكر، ولكنّه يعتقد أن إسداءه النصيحة لكل شخص يقابله، يكفيه عن أي إنجاز آخر». أتساءل مرة أخرى، ماذا كان سيفعل ذلك الرجل لو مرّ بالشارع الخامس؟
في ذلك الشارع تُزيّنُ مساحيق التجميل كل شيء؛ الوجوه، والحقائب، والمباني، وواجهات المحلات التجارية، حتى القلوب الصغيرة المعلّقة على الأبواب والمداخل، لا تشعر بوجودها لأنها مليئة بمساحيق التجميل.
تحت تلك المساحيق تبرز طبقة أخرى من البشر، لا تدري لماذا تعبر الشارع الخامس كل يوم، ولكنها تعلم جيداً أنه لا مكان لها هناك من دون مساحيق. سألت إحدى النساء اللائي يكتسين بمساحيق تجميل غريبة عن محل ما، فأصرّت أن توصلني إليه، وقبل أن أشكرها همّت بالرحيل دون أن تنتظر مني كلمة شكر، فهل هي مساحيق التجميل التي تجعل أولئك الناس في عجلة من أمرهم دائماً؟
أم أن قوانين الشارع تلزمهم بمساعدة الغرباء، ولكنها تهيب بهم التحدث إليهم؟ شعرت في بعض الأحيان بأن جميع روّاد الشارع يتمنون لو أنهم بكمٌ يتعاملون بلغة الإشارة، فهم يفضّلون الصمت والوحدة، حتى وهم يعبرون أحد أكثر شوارع العالم ازدحاماً بالمارة.
كان الوقت قُبيل عيد الميلاد، وكانت الشوارع تزدان بالأنوار والأشجار التي تنافست المحلات في تزيين واجهاتها بها، إلا أن أحداً من المارة لم يعبأ بكل تلك الجلبة، فالكل يريد أن يعبر إلى الضفة الأخرى من الشارع فقط. عبرت معهم في أمواج من البشر، وعندما وصلت وجدت المزيد من الإرهاصات التي تمتد على ضفّتي الشارع دون أن تلتقيا.
رأيت أناساً يمارسون رياضة الجري، ولكن أكثر ما أدهشني أن بعضهم كان يجري خارجاً من الحديقة الوسطى (سنترال بارك)، متجهاً إلى فوضى الشارع الخامس وصخبه، تلك الحديقة التي تراءت لي كواحة غنّاء وسط صحراء المدينة الإسمنتية التي تكسوها البهجة، ويتخللها التعب.
كانت ناطحات السحاب تتزاحم حول الحديقة، حتى بدت وكأنها تخسر شيئاً من ارتفاعها كل يوم، تماماً مثل الكثبان الرملية.
يقول البعض إن تلك الغابات الإسمنتية هي إحدى الصفات الجميلة لمدينة نيويورك، لا أعلم إن كان ذلك صحيحاً أم لا، إلا أنني أعلم جيداً أن كثيراً من سكّان نيويورك يفضّلونها على البحر والغابات الخضراء.
عندما تمضي نهاراً كاملاً في حديقة سنترال بارك، توقن أنها تُحرِجُ بأشجارها القصيرة، الأبراج الشامخة من حولها، وكأنها تقول لهم: «أنا ملجأ الهاربين منكم، وأنا ملاذ كل من يريد أن يزيل المساحيق من على وجهه، وأنا أيضاً من يأتي إليها الناس ليستعيدوا ما سلبتموهم إياه». يا لغرابة سكان نيويورك، كيف يحبون النقيضين، الإسمنت والأشجار!
في الشارع الخامس حُفِر اسم إحدى أكبر شركات الرذيلة على مدخل برج عملاق، وأمام ذلك المدخل وقف رجل يجمع تبرعات من الناس لصالح المتشردين. الغريب أن بعض الخارجين من تلك الشركة أخرجوا بضعة دولارات من جيوبهم ورموها في صندوق التبرعات، هل تراهم فعلوا ذلك للتكفير عن خطاياهم؟
أم أنهم أرادوا أن يساعدوا المتشردين فقط؟ لا يخجل الناس في ذلك الشارع من التفسّخ، ولكنهم لا يترددون في إخراج الصدقات أمام الملأ، ترى أيهم أفضل، أولئك الذين يخطئون ويحسنون، أم أولئك الذين لا يخطئون ولا يحسنون؟
أكواب القهوة في الشارع الخامس أطول بكثير من أكواب القهوة في بلادنا، فالقهوة تمثل لهم وقوداً يومياً يبقيهم على قيد الحياة، أما في بلادنا فإن القهوة تعد إحدى أدبيات الكرم والضيافة والمتعة والاستجمام.
في إحدى الليالي الباردة، رأيت على ضفاف الشارع الخامس عازفاً يعزف على آلة الساكسفون، فسألته إن كان يرغب في بيع آلته، فقال لي: «أنا أعزف لأنشر الحب بين الناس، فإن كنت تعزف أفضل مني فخذها دون مقابل، علّك تنجح في ما فشلت في تحقيقه».
كاتب إماراتي