يدور الحديث الآن حول الإعداد لمعاهدة جديدة بين موسكو وواشنطن حول تقليص مخزون السلاح النووي، حيث تلح واشنطن على موسكو منذ وصول الرئيس أوباما للحكم في البيت الأبيض، لتوقيع اتفاقية جديدة بديلة لاتفاقية (ستارت 1) التي سينتهي العمل بها في ديسمبر الجاري، هذا في الوقت الذي يتساءل فيه الروس عن جدوى الموافقة على تقليص السلاح النووي الآن بالتحديد، في ظل المخاطر التي تواجهها روسيا والتي اقتربت كثيرا من حدودها.

بينما يعتقد البعض الآخر أنه لا جدوى من حيازة السلاح النووي والإنفاق على تصنيعه وصيانته، ويرى البعض أن «سباق الأسلحة النووية» أنهك روسيا السوفيتية (الاتحاد السوفيتي) وأفقدها مقومات الديمومة والاستمرار.

ولكن خبراء السلاح النووي والقائمين على صناعته لهم رأي آخر، حيث يرى الخبير النووي الروسي «غيوري انتروبوف»، أحد الذين جربوا القنبلة الذرية الروسية الأولى بتفجيرها للتحقق من فعاليتها عام 1949، أن صناعة السلاح النووي ليست مكلفة بالدرجة التي يتصورها البعض، طالما أن الدولة تملك إمكانيات هذه الصناعة وتملك مادة البلوتنيوم اللازمة لها. ويعتقد انتروبوف أن الوطن أنفق على صناعة الدبابات أكثر بكثير مما أنفقه لصنع القنابل الذرية.

ويضيف: إن الإنفاق الحقيقي كان في البداية من أجل الحصول على معلومات وأسرار صناعة القنبلة النووية، ولكن بعد الحصول على هذه المعلومات أصبح الأمر سهلا، بدليل أن الاتحاد السوفييتي كان ينتج كل عام مئات الرؤوس النووية، ولم يكن بحاجة لهذا الكم الكبير منها، ولو كانت مكلفة بهذه الدرجة التي يصورونها بها، لكانت تكفي مائة أو مائتان منها بدلا من الآلاف التي صنعناها.

ويؤكد انتروبوف أنه لو لم تحصل روسيا على السلاح النووي الرادع في الوقت المناسب، ولو لم تجمع منه هذا الكم الكبير لكانت انتهت منذ سنوات الستينات، عندما زادت حدة الأزمات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة ووصلت إلى حد التهديد النووي بعد أزمة خليج الخنازير، ولولا وجود السلاح النووي لدى روسيا آنذاك، لما تراجعت إدارة الرئيس الأميركي كينيدي عن موقفها المتشدد.

رغم هذا، فإن موسكو لا ترفض توقيع معاهدة جديدة مع واشنطن لتقليص السلاح النووي، ولكنها تريد شروطا جديدة أفضل من الاتفاقية السابقة التي وقعت عام 1991، عندما كانت روسيا في أسوأ أحوالها الاقتصادية والعسكرية، مما أفقدها القدرة على فرض شروطها في الاتفاقية، وبعد توقيعها لها بعامين فقط أعلن حلف شمال الأطلسي عن خطته التوسعية شرقا، وضم دول من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

بحيث أصبحت قواعد الحلف العسكرية قريبة من الحدود الروسية، وما زال الحلف مصمما على الاستمرار في توسعاته لضم المزيد من هذه الجمهوريات، الأمر الذي يفرض على روسيا أن تحترس في التعامل مع واشنطن التي تقود هذا الحلف لتحقيق مصالحها الخاصة، ولا يجب أن تتنازل روسيا بسهولة عن ترسانتها النووية مقابل وعود خاوية من واشنطن، خاصة وأن واشنطن اعتادت عدم الالتزام بالمعاهدات الدولية في هذا المجال.

اتفاقية فيينا الخاصة بقانونية الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، تلزم طرفي أي اتفاقية دولية بالامتناع عن القيام بأعمال تتنافى مع المنصوص عليه في هذه الاتفاقية بعد توقيعها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن روسيا انضمت إلى اتفاقية فيينا هذه في عام 1986، بينما اكتفت الولايات المتحدة بالتوقيع عليها في عام 1970 من دون أن يصادق برلمانها عليها. معنى هذا أن روسيا «تكبل يديها» بالتزامات محددة، في حين يكون الجانب الأميركي «طليق اليد» ويعمل ما يشاء.

والتشريع الروسي يجيز العمل بالاتفاقية المبرمة بصورة مؤقتة إلى أن تتم المصادقة عليها، في حين تواجه الولايات المتحدة صعوبات في هذا المجال، حيث يعارض مجلس الشيوخ الأميركي أن تنفذ الولايات المتحدة الاتفاقيات غير المصادق عليها.

وهذا يعني أن روسيا معرضة للوقوع في الفخ الأميركي، حيث تتخذ الإدارة الأميركية قرارات، بينما مجلس الشيوخ الأميركي يكون له رأي آخر مناقض.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru