الفساد ظاهرة مدمرة يرجع تاريخها إلى قدم الإنسان نفسه على سطح الأرض، لها حضور في جميع العصور وفي جميع بقاع الأرض بنماذج وأحجام مختلفة. وقد نهت عنه وأدانته مختلف الرسالات الدينية ومختلف دعوات الإصلاح الاجتماعي. ولم يجد تقدم الإنسان وتطور مستوى تفكيره ومعيشته، في القضاء على هذه الظاهرة أو الحد من نموها وانتشارها، فالفساد يطل هنا أو هناك لأسباب عديدة، وينتعش حين يجد البيئة المناسبة.

والفساد صفة لحالة تغيب فيها الأمانة والنزاهة لدى الأفراد أو لدى المجموعات، وهو، في التطبيق، استخدام سيئ للسلطة الاعتبارية، المركز الوظيفي أو الاجتماعي، للحصول على مكاسب شخصية أو حزبية أو عشائرية أو مناطقية. وهو في هذا السياق، انحراف عن القيم المثالية التي تصنع الفضيلة والتي من دونها يتجه المجتمع نحو الخراب والانهيار.

والفساد قد يكون سياسياً أو مالياً أو إدارياً أو أخلاقياً. ووجوده في مكان ما، قد لا يقتصر ضرره على المكان نفسه، بل قد يتسع تأثيره ليطال آخرين في أماكن أخرى أو في دول أخرى، خاصة إذا صحبه نزاع مسلح. وقد تفاقمت خطورته في العقود الأخيرة إلى الحد الذي جعل مؤسسات دولية كبيرة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تعتبره أحد أبرز العقبات أمام التنمية.

إلا أن ظاهرة الفساد لم تحظ باهتمام الأمم المتحدة إلا في فترة متأخرة، فقد تبنت الجمعية العامة لهذه المنظمة الدولية «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد» في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2003، ودخلت حيز التنفيذ في الرابع عشر من ديسمبر 2005.

وهي الاتفاقية الوحيدة التي تضع أطراً عامة للتشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد والرشوة وحماية المال العام على المستوى العالمي، كما أنها تقدم المتطلبات اللازمة لمنع الرشوة والفساد والتحقيق في الجرائم المتعلقة بها ومعاقبة مرتكبيها.

وقد انضمت لهذه الاتفاقية 140 دولة، بينها 103 دول صادقت عليها فأصبحت بذلك ملزمة بتنفيذها. أما على المستوى العربي فقد وقعت الاتفاقية 16 دولة عربية، وصادقت عليها 11 دولة هي: الكويت والأردن والإمارات العربية المتحدة والجزائر وجيبوتي وقطر وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن.

إلا أن منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من العاصمة الألمانية برلين مقراً لها، قد سبقت الأمم المتحدة في اهتمامها بهذا الموضوع. فقد تأسست هذه المنظمة عام 1993، وتبنت استراتيجية تهدف إلى تحشيد الناس في تجمع عالمي، للعمل على إنهاء آثار الفساد المدمرة على البشر، وخلق عالم خالٍ منه.

وبدأت هذه المنظمة حربها على الفساد منذ عام 1995، حين بدأت بإصدار سنوي لمؤشر دولي لتقدير حجمه يرمز له اختصاراً (ذة)، يقوم بترتيب دول العالم حسب درجة الفساد بين موظفيها وسياسييها.

الإنجاز الكبير الذي حققته هذه المنظمة هو نجاحها في وضع الفساد على أجندة اللقاءات التي تعقدها المنظمات العالمية، وكان لها دور أساسي في تقديم اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقية منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (د) ضد الرشوة.

ورغم أن بعض الدول تحتج على الموقع الذي تجد نفسها فيه في سلم الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية، وهو ما حصل عند نشر التقرير السنوي الأخير لهذه المنظمة في السابع عشر من نوفمبر المنصرم، متذرعة بعدم عدالة وعدم موضوعية المعايير التي تتبعها المنظمة ومطالبة بإعادة النظر فيها، إلا أن الخدمات التي تقدمها هذه المنظمة لا تقدر بثمن، خاصة للطبقات الفقيرة في المجتمع التي تعتبر الضحية الأساسية للفساد في جميع بقاع العالم.

يطرح الحديث عن انتشار الفساد أسئلة هامة، عن العدالة وعن توزيع الثروة وعن شكل النظام السياسي، وعن طبيعة القوانين والعلاقات الدولية التي يمكن أن تكون سبباً في انتشاره أو تسهم في تحجيمه. فهناك أنظمة ديمقراطية تعاني من انتشاره، وهنالك أنظمة دكتاتورية تعاني منه كذلك.

إلا أن دراسة متأنية للتقارير التي تصدر عن منظمة الشفافية الدولية، قد تكشف بعض الجوانب الهامة التي تساعد على تفهم المزيد عن هذه الظاهرة، وعلى مقاربتها بشكل أكثر موضوعية.

إن ما يلفت النظر في تقارير منظمة الشفافية الدولية، هو أن الفساد أقل انتشاراً في الدول الديمقراطية وأكثر انتشاراً في النظم الدكتاتورية، وأقل انتشاراً في الدول الغنية من تلك الفقيرة. كما أن معظم الدول النامية، ومنها معظم دول الشرق الأوسط، تحتل مقاعد متميزة في صالة الفساد.

فالأمم المتحدة تقدر حجم الأموال العامة التي تتعرض للنهب والاختلاس في العالم بسبب فساد الأنظمة السياسية، بحوالي 6,1 تريليون دولار سنوياً، أما البنك الدولي فيرى أن الفساد في الدول النامية يكلفها ما يتراوح بين 20 و40 مليار دولار سنوياً، هذا في الوقت الذي تعد فيه أسواق هذه الدول ومراكزها المالية، ملاذات آمنة للأصول المسروقة ومحطات مضمونة لغسيلها.

ففي التقرير الأخير لمنظمة الشفافية الدولية، الذي أشرنا إليه، احتلت دولة قطر المركز الأول في الشفافية بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (الموقع 22)، تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة (الموقع 30)، ثم إسرائيل (الموقع 33)، في حين احتل اليمن الموقع (154) وإيران الموقع (168) وحصل العراق والسودان على الموقع (176)، بينما جاءت بورما (178) وأفغانستان (179)، وتربع الصومال على الموقع الأبرز والأخير (180).

والحقيقة أن أوضاع الدول التي تحتل المواقع الأخيرة في درجة الشفافية تستوجب التوقف. فمقاربة هذا الموضوع فائق الأهمية بطريقة موضوعية، تتطلب مدخلاً جديداً ووضع معايير جديدة، لتقدير حجم الفساد فيها بما يتناسب مع المدخل الجديد والذهاب إلى علاجات تتماشى مع سياقاته.

فمع أن تعريفات الفساد التي وردت في سياق هذه المقالة لا غبار عليها، لأنها صدرت عن جهات دولية متخصصة، إلا أننا نرى أن المدخل الأكثر موضوعية لمقاربة فساد بهذا الحجم، هو إعادة النظر في مفهوم الفساد نفسه، وإسقاطه كمرض أو آفة تعض بأنيابها على هذه البلدان، وإنما اعتباره أحد أعراض مرض آخر أصيبت به هذه البلدان، حيث إن المرض الحقيقي الذي ينهش جسدها، يكمن في وضعها السياسي والاجتماعي، رغم أنه يبدو، في بعضها، براقاً وفي حلة ديمقراطية.

في ضوء ذلك، يصبح التخلص من الفساد واجتثاثه غير مرتبط باجتثاث رؤوس فاسدة في أعالي السلالم الوظيفية في هيكل الدولة، مهما بلغ عدد هذه الرؤوس، وإنما في إصلاح البنية السياسية والاجتماعية.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae