بإصدار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قراراً بموافقة روسية ـ صينية، يوبخ السلطات الإيرانية بشدة لبنائها منشأة نووية سرية قرب مدينة قم، وتوصية الوكالة بإحالة قرارها إلى مجلس الأمن، في الخطوة الثانية من نوعها ضد إيران منذ وضع ملفها في عهدة المجلس في فبراير 2006، ما أسفر في حينه عن قرارات دولية فرضت على طهران وقف تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي لم تلتزم به، وتلاه فرض عقوبات دولية ضدها، يكون الملف النووي الإيراني قد عاد مرة أخرى إلى نقطة الصفر.

ذلك أنه في الوقت الذي هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات مشددة على إيران، فإن الأخيرة قالت عبر نافذين فيها أنها ستنتج بنفسها الوقود النووي، في حال لم يوافق المجتمع الدولي على تزويدها بهذا الوقود اللازم لتشغيل مفاعل الأبحاث في طهران. وقال رجل دين بارز فيها متوجها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن «واجبكم الشرعي تأمين الوقود لمفاعل طهران».

وأضاف «إذا لم تفعلوا ذلك، فسينتهي الأمر. إذا لم تتعاونوا، عليكم أن تعلموا أن هذه الأمة التي تمكنت من تحصيل حقوقها في التكنولوجيا، ستؤمن أيضا الوقود لمفاعلها. هذا أمر قانوني ويتفق والضمانات الدولية».

وجاء هذا التصريح ردا على قرار الإدانة الذي أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتضمن أيضا دعوة إلى «تعليق فوري» لأعمال البناء في المنشأة النووية الجديدة قرب مدينة قم.

وعلى الصعيد الرسمي، فإن إيران وصفت القرار بأنه «مهزلة»، ورأت أنها لم تعد ملزمة بالتعاون مع الوكالة في إجراءات تفتيش منشآتها، مشيرة إلى أن تعاونها كان طوعياً.

وكل هذه المعطيات تؤكد أن الملف النووي الإيراني قد عاد إلى سيرته الأولى، وأن التسخين بشأنه أصبح متوقعا. وهناك وجهتا نظر حول هذا الأمر، الأولى ترى أن إيران تشددت إزاء الملف، لأنها تدرك أن الوضع الإقليمي والدولي يفرضان على الولايات المتحدة التهدئة مع إيران، وهي بالتالي لن تتخذ خطوات متشددة إزاءها، ولعل ذلك كان أحد أسباب تشدد طهران إزاء اقتراح الوكالة بتخصيب اليورانيوم خارج إيران.

أما وجهة النظر الثانية، فترى أن الضغوط التي تمارس على الرئيس الأمريكي باراك أوباما وإدارته، واتهامه بأنه فشل حتى الآن في تحقيق أي إنجازات، يمكن أن تجبره على اتخاذ خطوات متشددة إزاء إيران، بل ويمكن أن تكون هذه الخطوات هي الثمن الذي يدفعه أوباما، مقابل تخفيف حدة المعارضة لبرنامجه الخاص بالراعية الصحية، والذي يعارضه اليمين الأمريكي، فضلا عن قوى من داخل الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس.

وحتى حينه لا يمكن معرفة أي من وجهتي النظر أدق، ولكن ما يمكن التكهن به هو أن الملف النووي الإيراني أصبح مفتوحا ولن يتم إغلاقه في وقت قريب، وأن السيناريوهات المتعلقة به أصبحت مفتوحة، خاصة وأنها تتقاطع مع العديد من الأزمات الإقليمية والدولية، ما يجعلها أسيرة لقضايا أخرى سياسية واقتصادية.

وبالتأكيد فإن ثقة إيران في قوة موقفها، وتعويلها على أزمة الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان، ليست في محلها. فمن جهة فإن قرار الوكالة الأخير حمل أنباء غير طيبة لإيران، تتمثل في موقف كل من روسيا والصين، حيث تراجعت الدولتان عن دعم الموقف الإيراني، بل إن روسيا دعت إيران إلى التعاطي الجدي مع القرار،بما يعني أنها لم تعد تتخذ نفس موقفها السابق الذي يبرر لإيران امتلاك التكنولوجيا النووية، طالما أنها تستهدف الأغراض السلمية فقط.

ويبدو أن الثقة الإيرانية ليست في محلها، رغم أن الخيارات المطروحة تجاهها محدودة، وأحد هذه الخيارات، المطروح منذ فترة، هو أن توجه إليها إسرائيل ضربة عسكرية بدعم لوجستي وعسكري من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

غير أن من المراقبين من يرى أن إيران تقيم حساباتها على صعوبة هذا الخيار، فالولايات المتحدة التي تريد دعم إيران ومساعدتها في العديد من الملفات الإقليمية، لن توافق على هذا السيناريو، ومن جهة ثانية فإن إقدام إسرائيل على هذه الضربة العسكرية، يمكن أن يخلط ملفات متعددة في منطقة الشرق الأوسط، بل ويمكن أن يجعل تكلفتها السياسية عالية على إسرائيل ذاتها، وبالتالي فإنها سوف تفكر كثيرا قبل الإقدام عليها، فضلا عن أن مثل هذه الضربة لن تكون مقبولة أمريكيا، وسف تحظى بمعارضة إقليمية واضحة.

وبالتالي، فإن قرار الوكالة الدولية للطاقة قد خلط أوراق الملف النووي الإيراني، ووضع كلا من الولايات المتحدة وإيران أمام اختبار صعب عندما قررت الوكالة تحويل الملف إلى مجلس الأمن، ذلك أن الطرفين لديهما صعوبات في اتخاذ القرار، سواء فيما يتعلق بالعقوبات، أو بالرضوخ لمطالب المجتمع الدولي بشأن هذا الملف، وهو ما يؤكد أنه عاد إلى النقطة «صفر»، وبالتالي فهو لم يقترب من الحسم حسبما يرى بعض المتابعين له.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com