كانت السنوات العشر التالية لحرب أكتوبر 1973 هي سنوات هجرة المصريين، بامتياز، وهو شيء قد يدعو للدهشة، من حيث أنها السنوات التالية لإنجاز عسكري عظيم، كان من المفترض أن يؤدي إلى إحياء الشعور بالثقة والأمل في أحوال الوطن والاستبشار بالمستقبل، وأن يغري حتى من سبق أن هاجر من المصريين، للعودة إلى بلدهم والمساهمة في بناء وطنهم.
الذي حدث هو العكس بالضبط. سافر الملايين من المصريين إلى دول البترول في الخليج وليبيا، من مختلف الفئات، متعلمين وأميين، مثقفين وفنيين، عمال مهرة وشبه مهرة وفلاحين، مسيّسين وغير مسيسين. كما هاجر كثيرون من بلاد عربية أخرى، فيها فائض من العمالة، إلى الدول العربية الغنية بالبترول، والتي تعاني من ندرة العمالة.
كانت الأسباب الاقتصادية هي أهم الأسباب بالطبع: ارتفاع أسعار البترول أضعافا مضاعفة، وحاجة دول البترول الشديدة إلى عمالة إضافية، والتضخم الشديد داخل مصر والدول الأخرى المهاجر منها، مما رفع نفقات المعيشة فجأة، مع تراخي دور الدولة في خلق فرص عمل جديدة.
ولكن كانت هناك أسباب سياسية أيضا. لقد شعر كثيرون من المثقفين المصريين بكراهية شديدة للانقلاب الذي أحدثه الرئيس السادات، وعلى الأخص نكوصه عن سياسات عبد الناصر في إعادة توزيع الدخول، وسلوك طريق التبعية الكاملة للولايات المتحدة. كان نصيبي من ذلك الذهاب إلى الكويت، وهناك تعرفت على عدد من المصريين العظام، الذين ذهبوا إلى الكويت مدفوعين بهذه الأسباب.
كنا نتابع بالطبع ما يحدث في مصر من تطورات يوما بيوم. استقبال حافل للرئيس الأميركي نيكسون، وتدشين عهد جديد من العلاقة الحميمة مع الولايات المتحدة، تقوم على تبعية كاملة في استيراد الغذاء والأسلحة، وفتح الأبواب أمام فروع البنوك الأميركية، ثم إعلان السادات أن حالة الاقتصاد المصري قد وصلت إلى «درجة الصفر»، وتبريره لذلك بتبريرات مختلفة، منها أنه كان يظن أن أرقام الديون المصرية للخارج التي قدمها إليه المسؤولون كانت بالدولارات، فإذا هي بالإسترليني، ثم زيارات متتالية من المسؤولين المصريين لدول الخليج، لطلب المساعدة لمواجهة «ظروف مصر الصعبة».
خلال هذه الفترة (السنوات الأولى من السبعينات)، كثر الكلام عن ظاهرة «الشركات متعددة الجنسيات» (Multinationals) التي امتد نشاطها إلى مختلف أركان الأرض، وزاد حجم إنتاجها حتى فاق إنتاج كثير من الدول، ووصفت بأنها تحوّل العالم إلى «قرية عالمية واحدة »(one global village) . ولكن زاد الكلام أيضا عن خطر التبعية التي وقعت في إسارها دولة بعد أخرى من دول العالم الثالث، بعد فترة قصيرة من الاستقلال النسبي في الستينات
. هكذا ظهرت مدرسة جديدة بين اقتصاديي أميركا اللاتينية عرفت باسم «مدرسة التبعية» (Dependency School)، وتفسر تدهور أحوال دول العالم الثالث بطبيعة العلاقة القائمة بينها وبين الدول الرأسمالية المتقدمة، وتدعو إلى فك هذه الروابط (delinking)، أي أن تحاول دول العالم الثالث الفكاك من علاقة التبعية هذه، التي تكرس تخلفها الاقتصادي.
أطلق السادات ورجاله بانقلابه على سياسة الستينات اسم «الانفتاح»، ولكن كان مما يحدث أيضاً في مصر، وأراه في كل مرة أزور فيها مصر بدرجة أوضح وأقوى مما رأيته في المرة السابقة، هو «التغريب» المتسارع لكل نواحي الحياة. لقد أصبحت مظاهر التغريب هذه مألوفة لنا الآن، ولكنها في السبعينات كانت غريبة وجديدة علينا، إذ كنا نراها لأول مرة.
فسياسة الانفتاح الاقتصادي التي أعلنها السادات في1974، باسم دفع عجلة التنمية، بما تتيحه هذه السياسة من استيراد أدوات الإنتاج للحرفيين والمستثمرين، ومن تجديد القطاع العام وتشغيل الطاقات العاطلة، طبقت على نحو يسمح باستيراد سلع استهلاكية من مختلف الأنواع، فدخلت هذه السلع مصر وفي أحشائها النمط الغربي في الاستهلاك وفي السلوك على السواء.
أصبح تعريف «الحياة حلوة» في ظل هذا النوع من الانفتاح الاقتصادي، هو تحقيق أعلى مستوى ممكن من استهلاك السلع الغربية التي تسمح أيضاً، بسبب ما يتمتع به مصدرها من جاذبية، بالتظاهر والتفاخر بارتفاع مستوى الدخل والصعود الاجتماعي. دخل التغريب إذن من هذا الباب أولاً، باب استيراد السلع الغربية، ولكن هذا الاستيراد سرعان ما اقترن بدخول الإعلانات التلفزيونية، وجلبت الإعلانات برامج ومسلسلات غربية تناسب الإعلانات.
كما جلب المهاجرون عند عودتهم في عطلات من الخليج، سلعاً من نفس النوع، بالغوا في استعراضها أمام الجميع إمعاناً في إثبات صعودهم الاجتماعي، فإذا بالهجرة تساهم في دعم التغريب، والتغريب يغري من لم يهاجر بالشروع في الهجرة، وهكذا. أدى الانفتاح أيضا إلى دخول رجال الأعمال والسياح الأجانب بكثرة لم نعرفها منذ قرن من الزمان، عندما أعرب الخديوي إسماعيل عن أمله في «تحويل مصر إلى قطعة من أوروبا».
وقد خلق هؤلاء السياح ورجال الأعمال طلباً على استيراد نفس السلع والخدمات، وقدموا باستهلاكهم وسلوكهم قدوة تُحتذى من جانب الطبقة الوسطى الجديدة، فزاد هذا من ضغط تغريب الحياة الاجتماعية. أذكر أن صديقا أميركيا لي، كان وقت ذهابي إلى الكويت رئيسا لقسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية، وكان ساخطا على «المجتمع الاستهلاكي»، وقد جاء إلى القاهرة بسبب كراهيته لانتشار المجتمع الاستهلاكي في بلده، كتب لي خطابا في بداية عهدي في الكويت، يقول فيه «إن بنك تشيس مانهاتن قد فتح له فرعا في القاهرة.
وما دام تشيس مانهاتن قد جاء إلى مصر، فلا بد أن يكون هذا هو الوقت الذي يجب فيه أن أرحل عنها».. وفعلا حزم أمتعته واستقال، وهاجر إلى استراليا.
كاتب مصري
