منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وعلى مدى قرابة عقدين من الزمن والنظام الحاكم في روسيا يتفادى دائما الإيحاء بأية نوايا أو طموحات لدى روسيا للعودة كقوة عظمى على الساحة الدولية، وذلك خشية من إثارة التخوفات والقلق لدى الآخرين من أية طموحات لفرض النفوذ والهيمنة الروسية من جديد، خاصة وان العديد من الدوائر السياسية المعادية لروسيا في الغرب وواشنطن تسعى لتشويه سمعتها وإبرازها كدولة تسعى لاستعادة أمجادها الإمبراطورية على حساب الدول الأخرى.

وقد أثار التقارب الملحوظ بين روسيا وأوروبا والاعتماد الأوروبي الكبير على مصادر الطاقة الروسية حفيظة وقلق واشنطن التي تتهم روسيا بأنها تسعى لسحب البساط الأوروبي من تحت أقدامها وإعادتها إلى حدودها عبر الأطلسي، وزادت هذه الاتهامات مؤخرا مع تصميم روسيا على وضع مبادئ جديدة للأمن الأوروبي من خلال معاهدة أمن مشترك بين روسيا وأوروبا، الأمر الذي اعتبره الأميركيون خطة روسية للقضاء على حلف الناتو.

روسيا تنفي تماما أية نوايا لديها لعزل الولايات المتحدة عن أمن أوروبا، كما دأبت على نفيها القاطع لوجود أية طموحات لديها للعودة لفرض نفوذها وهيمنتها على دول أخرى وممارسة دور القوة العظمى، خاصة بعد حرب القوقاز في صيف العام الماضي، والتي فسرتها بعض الدوائر الغربية على أنها استعراض للقوة الروسية يكشف عن طموحات إمبراطورية جديدة.

ولكن على ما يبدو أن الروس بطبيعتهم لا يقبلون لروسيا أن يعاملها الآخرون على أنها دولة عادية مثل باقي الدول، ويريدون من الآخرين أن يراعوا مكانة روسيا وإمكانياتها ومساحتها الجغرافية وان يتعاملوا معها كدولة عظمى لها مصالحها في كل أنحاء العالم، وهذا ما بدا على تصريحات القادة الروس في الأيام الماضية، وخاصة رأسي السلطة الرئيس ميدفيديف ورئيس الحكومة بوتين.

في مؤتمر «الجمعية الجغرافية الروسية» الذي تم خلاله انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لمجلس أمناء الجمعية المذكورة. طلب بوتين من المؤتمرين أن يتعاملوا بحذر مع مصطلح «الدولة العظمى». ذلك أن هذا المفهوم في الوقت الراهن تحدده عدة عوامل من أهمها: استقرار النظام السياسي وقدرة الاقتصاد على المنافسة وامتلاك رصيد من الثروات الطبيعية وما إلى ذلك.

وأشار بوتين إلى أن هذه العوامل تتوفر لدى عدد من الدول التي لا تُصنف على أنها دول عظمى وأضاف أن ثمة دولا تتمتع باقتصاد قوي وفعال لكن حجمها صغير ونفوذها محدود وقدراتِها الذاتيةَ محدودة أيضا. لهذا يصعب اعتبار مثلِ هذه الدول دولا عظمى. وعبر بوتين عن رأيه بأن تسمية «الدولة العظمى» يجب أن تُطلَق على الدول التي تتمتع برقعة جغرافية واسعة وبعددِ سكان كبير وتمتلك ثروات طبيعية كبيرة. وبما أن هذه المواصفات تنطبق على روسيا فإن من الطبيعي أن تُصنف روسيا كدولة عظمى.

الرئيس ديمتري ميدفيديف في كلمته أمام البرلمان الفيدرالي الروسي في الثاني عشر من نوفمبر الجاري أعلن أن روسيا تستطيع الآن الإعلان عن نفسها كدولة تملك وضع القوة العظمى على أسس مبدئية جديدة وبإستراتيجيات وسياسات جديدة، وأعلن ميدفيديف عدم ارتباط الدولة الروسية العظمى الجديدة بالاتحاد السوفييتي السابق قائلا «إن مكانة روسيا الحديثة وقوتها لا يمكن أن تعتمد على إنجازات الماضي ولا على احتياطي الأجيال السابقة»، وقال ميدفيديف «ما تبقى لنا من الاتحاد السوفييتي أصبح قديما ماديا ومعنويا».

حديث بوتين وميدفيديف عن الدولة العظمى بهذه الصراحة والجرأة، وفي هذا التوقيت بالتحديد يعكس مؤشرات مهمة ليس فقط على نمو القوة الروسية الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ولكن أيضا يعكس ضعف وتراجع الولايات المتحدة الخصم التقليدي لروسيا وتفاقم أزماتها الداخلية والخارجية، وتداعي نظام القطب الأوحد الذي ساد طيلة العقدين الماضيين.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

ekhaelovna@mg.ru