فيما تواصل حكومة نتانياهو اليمينية المتطرفة، التلاعب على خط التناقضات الفلسطينية، مستهدفةً التهرب من الالتزامات التي ترتبت عليها في خارطة الطريق، ومن المساعي الأميركية والأوروبية لإحياء عملية السلام، يواصل طرفا الانقسام في الساحة الفلسطينية التعامل مع السياسة الإسرائيلية، كل على طريقته وبشكل منفصل عن الطرف الآخر.

ففي مواجهة الخيار الذي تطرحه السلطة الفلسطينية ويقضي بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي، مروراً بقرار عربي جماعي، يدعم المطالبة بانتزاع قرار بتأكيد حق الفلسطينيين في دولة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، تقوم إسرائيل بحملة دبلوماسية لقطع الطريق على هذا التوجه، وتطلق تهديدات جديدة بمصادرة وضم الأراضي التي تقيم عليها مستوطناتها، وبإلغاء كافة الاتفاقيات مع السلطة، وبعض المسؤولين ذهب إلى حد التهديد بإعادة احتلال الضفة الغربية.

وفي الوقت ذاته تواصل إسرائيل تحديها للمجتمع الدولي، من خلال إعلانات جديدة عن بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، وذلك بالرغم من الانتقادات المباشرة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة، والإدارة الأميركية، وأطراف أوروبية ودولية وعربية.

على أن أبرز ما تجود به جعبة نتانياهو وحكومته، ما صدر مؤخراً عن مبادرة يديرها رئيس الدولة شمعون بيريز، ووزير الدفاع ورئيس حزب العمل إيهود باراك، اللذان تلقفا اقتراحاً سابقاً كان قد طرحه وزير الدفاع السابق، وعضو الكنيست عن حزب كاديما المعارض، والذي لوح بإمكانية التفاوض مع حركة حماس، على أساس مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة.

إزاء المناورة الإسرائيلية، جاءت الردود الفلسطينية متناقضة، ففي حين يرفض الرئيس محمود عباس هذا المشروع، رغم أنه ورد في خارطة الطريق، فإن أكثر من مسؤول في حركة حماس رأى فيه تطوراً مهماً، تنقصه الأفعال من الجانب الإسرائيلي.

حركة حماس كانت قد سجلت أيضاً اعتراضها على إعلان السلطة التوجه بقضية الدولة الفلسطينية وحدودها، إلى مجلس الأمن، مما يعني أن طرفي الانقسام الفلسطيني يعملان كل لوحده، وعلى النقيض من الطرف الآخر، دون أن يظهر في الأفق ما يشير إلى تغيير في مواقف الطرفين من وثيقة المصالحة التي وقعت عليها فتح، وامتنعت حماس عن توقيعها، فيما يصر المصريون على عدم إمكانية فتحها للتعديلات التي تسعى إليها حماس.

على جبهة أخرى، صعدت إسرائيل من تهديداتها لحركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، على خلفية معلومات تدعيها أوساط أمنية وعسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى، عن أن حركة حماس أجرت تجربة على صاروخ جديد يصل مداه إلى تل أبيب، مما يضع نحو ثلاثة ملايين إسرائيلي تحت رحمة الصواريخ الفلسطينية، حسب الادعاءات الإسرائيلية.

اللهجة الإسرائيلية تجاه حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة تتميز بالتناقض، فالبعض يرمي جزرة حين يتحدث عن إمكانية التفاوض مع حركة حماس بشأن دولة ذات حدود مؤقتة، ورئيس الأركان غابي اشكنازي، يقدم شهادة حسن سير وسلوك بشأن التزام حماس الهدوء وعدم إطلاق الصواريخ، فيما يصدر الكثير من المسؤولين تهديدات تدعمها الممارسة، باستعداد الجيش الإسرائيلي للقيام بعملية واسعة ضد قطاع غزة.

السبت الماضي الحادي والعشرون من هذا الشهر، ردت حركة حماس على الادعاءات والتهديدات الإسرائيلية، من خلال تصريحات أدلى بها وزير الداخلية في الحكومة المقالة فتحي حماد، الذي حاول نزع الذرائع الإسرائيلية، بالقول إن ثمة اتفاقاً بين فصائل المقاومة يقضي بالحفاظ على الهدوء والامتناع عن إطلاق الصواريخ، إلا في حال قيام إسرائيل بعدوان واسع وكبير على قطاع غزة.

رسالة حماد كانت تشير إلى مسألتين، الأولى أن حركة حماس قادرة على ضبط الأمن والمحافظة على التهدئة غير المتفق عليها مع إسرائيل، والثانية هي للفصائل التي عليها أن تنضبط لقرار الحركة بعدم إطلاق الصواريخ، التي يلحق إطلاقها أضراراً بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، كما يقول مسؤولون في حماس.

الرد على الرسالتين لم يتأخر، فبعد ثلاث ساعات فقط قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف ثلاثة مواقع في شمال ووسط وجنوب قطاع غزة، وكأن إسرائيل تريد أن تؤكد أنها لا تقبل أية قرارات ورقية أو شفهية، حين يتصل الأمر بالأمن الذي يشكل بالنسبة لها الأولوية الأولى والعاشرة.

الجمهور الفلسطيني صاحب التجربة الطويلة مع الاحتلال، يكاد يجزم بإمكانية قيام إسرائيل بعدوان واسع على قطاع غزة. فالتحضيرات والتبريرات التي تسوقها إسرائيل، تشير إلى أن الجمهور يعرف أن هذه الدولة لا تتساهل مطلقاً في قضية الأمن، بغض النظر عن بعض المكتسبات التكتيكية التي تتحقق بسبب الانقسام الفلسطيني. فبالنسبة للكثير من صناع السياسة الإسرائيلية يتصرفون على أساس أن الفلسطيني الجيد، هو الفلسطيني الميت أو على الأقل، المجرد من كل أنواع السلاح.

أما إزاء الرسالة الثانية التي جاءت في تصريح وزير داخلية الحكومة المقالة، فقد أعلنت الجبهتان الشعبية والديمقراطية، أن لا علم لها بما جاء عن اتفاق أو تفاهمات بين فصائل المقاومة، وكذلك فعل خالد البطش أحد أبرز قيادات الجهاد الإسلامي. الوقائع تؤكد أن السياسة الإسرائيلية تعمل فقط وفق بوصلة المصالح الإسرائيلية الخاصة، التي تتطلب إضعاف كل الأطراف الفلسطينية، واستنزاف طاقاتها وقدراتها في الصراع الداخلي، بينما تكون نتيجة أي تسويق في أي وقت لاحق، هي حصيلة الوقائع المادية العنيدة التي تنفذها إسرائيل على الأرض.

مما يعني أن الحكومات الإسرائيلية مهما اختلقت أسماء وصفات الأحزاب التي تشكلها، إنما تعمل في اتجاه فرض التسوية على الفلسطينيين، بالقياسات التي تناسب فقط المصالح الإسرائيلية. وفي المقابل فإن سلوك الفصائل الفلسطينية المنقسمة على بعضها، يؤكد قصور الوعي الفلسطيني عن إدراك أبعاد المخاطر المترتبة على الكل الفلسطيني، مما يعني أن إسرائيل هي الطرف الأكثر قدرةً وتأثيراً على مصير الفلسطينيين، وهي لن تسمح لأي طرف فلسطيني بأن يشكل خطراً على أمنها ومصالحها.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com