يمر العراق منذ بدأ التحضير للانتخابات التشريعية المقبلة، في منتصف يناير القادم، بفترة حرجة من تاريخه، وليس من المتوقع أن يضع يوم الانتخابات المنشود نهاية لها، بل المرجح أنه سيكون بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي، يشهد فيها العراق المزيد من التهديد لوحدته.
الانتخابات القادمة هي الثالثة منذ سقوط النظام السابق، وتأمل قطاعات واسعة من الشعب العراقي، أن لا تكون في تفاصيلها ونتائجها وتداعياتها تكراراً للمرتين السابقتين. يجري التحضير لهذه الانتخابات في ظل ظروف شائكة، لا تضفي على النتائج المتوقعة طابعاً موضوعياً يطمئن المهتمين بالشأن العراقي، وذلك للأسباب التالية:
1. عدم وجود قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية ويحدد شروط ترخيصها، فالأحزاب التي تقود العراق، على مدى السنوات السابقة، ليست لها أطر قانونية تضفي الشرعية على ممارساتها، إذ لم تعد سراً علاقة بعض هذه الأحزاب أو الكتل بجهات خارجية.
2. بقاء العيوب الخطيرة في الدستور دون تعديل، مع أنه قد نص في الفقرة الأولى من المادة 142 على البدء بإجراءات التعديل، خلال مدة لا تتجاوز أربعة شهور من بدء عمل المجلس النيابي في يناير 2006.
3. عدم وجود إحصاء سكاني يبين العدد الحقيقي للعراقيين في الداخل والخارج، مما يتيح المجال لاجتهادات بعيدة عن الموضوعية، أصبحت موضع خلاف بين الكتل السياسية الكبيرة.
4. النواقص في قانون الانتخابات الذي ولد بعد مخاض عسير، على مقاسات الكتل البرلمانية الكبيرة التي لم تجد حرجاً في خرق الدستور الذي كتبته، وحصنته ضد أي تعديل. فقد تعمدت هذه الكتل تهميش دور الأقليات العرقية والدينية، وعمدت إلى إضعاف دور المهجرين والمهاجرين بادعاء أن ما تتداوله وسائل الإعلام عن أن عددهم يتجاوز الأربعة ملايين مبالغ فيه، وأن عددهم الحقيقي لا يتجاوز المليونين، وذلك لأن شعبية هذه الكتل لدى عراقيي الخارج ليست مما يطمأن إليه.
والحقيقة أن الرجم بالغيب في مسألة هامة كهذه، لا يصح أن يكون أساساً تبنى عليه مواقف سياسية تثير الجدل، فمن السهولة بمكان أن تفاتح الحكومة العراقية الدول التي تقيم فيها جالية عراقي،ة وتطلب تزويدها بأعداد هؤلاء لضمان حقوقهم، فذلك لا يدخل ضمن المحظورات الدولية. وليس من الإنصاف أن يتناسى مهاجرو ومهجّرو الأمس، الذين آل إليهم المُلك، مهاجري ومهجّري اليوم.
القانون جرى نقضه من قبل نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وأعاده إلى المجلس النيابي الذي أجرى بعض التعديلات الهامشية عليه معززاً بذلك دور الكتل الكبيرة، ليعاد من جديد إلى مجلس الرئاسة حيث من المتوقع أن ينقض مجدداً من قبل الهاشمي، لتدخل العملية السياسية في دوامة المجهول خاصة بعد تلويح عدد من المحافظات بمقاطعة الانتخابات القادمة في مؤشر قوي لانتكاسة العملية السياسية.
5. الطعن في نزاهة مفوضية الانتخابات، ومطالبة عدد من النواب بإخضاع رئيسها للاستجواب.
6. ضجيج في المجلس النيابي، وتهريج خارجه، حول مدى انسجام قرار نقض قانون الانتخابات الذي مارسه نائب الرئيس طارق الهاشمي، مع الصلاحيات الدستورية الممنوحة له. والحقيقة أن قرار النقض هذا، رغم إيجابيته في إنصاف من أُضعف دوره في القانون، يكشف عن أحد العيوب الكبيرة في الدستور التي لا تنسجم مع المبادئ الديمقراطية. فالدستور يمنح مجلس الرئاسة، وبشكل أكثر دقة يمنح عضواً واحداً فيه، صلاحية نقض ما يقره مجلس النواب، طالما أن قرار مجلس الرئاسة يجب أن يكون توافقياً، سواء بالرفض أو بالقبول، مع أن مجلس النواب منتخب من قبل الشعب في حين أن مجلس الرئاسة معين من قبل مجلس النواب.
الحقيقة أن مسار العملية السياسية لا يشير إلى أن العراق قد أصبح أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه في أسوأ حالاته، على الرغم من التحسن الأمني الذي تحقق. وذلك بسبب تعزيز الأسس الخطيرة التي بنيت عليها العملية السياسية، وهي الأخذ بمبدأ المحاصصة العرقية والطائفية، تحت راية ما يطلق عليه «التوافق» الذي ألغى الهوية الوطنية العراقية.
فقد أبانت الأيام الأخيرة، أنه على الرغم من الخلافات المبدئية بين الكتل الكبيرة، التي تحكمت في صناعة القرار العراقي الرسمي في السنوات الماضية، خاصة ما يتعلق منها بصلاحيات حكومة إقليم كردستان وصلاحيات الحكومة المركزية، فقد بدأت هذه الكتل تعود للتقارب والاتفاق بشكل حذر، ممهدة الطريق لإعادة التحالفات التي أكسبتها مواقع صياغة القرارات وصناعتها، لفترة ما بعد الانتخابات.
فهي تدرك أن مصالحها والمكاسب غير المشروعة التي تحققت لها، مهددة بالزوال بسبب تغبر مزاج الناخب العراقي الذي يشعر بمرارة الاستغفال الذي تعرض له في الانتخابات السابقة، والتي ذهب إليها بسريرته الصافية. كما لم تخلُ ساحة الانتخابات العراقية من إطلالات بعض دول الجوار على شرفاتها، سواء بشكل مكشوف أو مستتر.
ومن المتوقع أن لا تقتصر هذه الإطلالات على تقديم الدعم المالي أو الترويج الإعلامي لهذه الكتلة أو تلك، بل تتجاوز ذلك إلى القيام بتنفيذ عمليات إرهابية تساعد على عودة الاصطفافات الطائفية والعرقية. والولايات المتحدة ليست أقل حرصاً من بعض دول الجوار على الحضور القوي في المشهد الانتخابي العراقي، لأسباب أخرى، أولها حسابات المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وثانيها الاستحقاقات الزمنية للانسحابات الجزئية لقواتها، كما وعد الرئيس الأميركي ناخبيه العام الماضي.
فالسفير الأميركي في بغداد، كريستوفر هيل، لعب دوراً نشطاً خلال الاستشارات بين الكتل السياسة، للإسراع بإقرار قانون الانتخابات، وقد حضر جلسة مجلس النواب يوم الثالث والعشرين من نوفمبر الجاري، وأبدى قلقه من احتمال تأجيل الانتخابات.
وليس من المستغرب، وهو ما يتوقعه مسؤولون عراقيون في موقع صناعة القرار، أن ترتفع وتيرة العنف وتتزايد الأعمال الإرهابية مع قرب موعد الانتخابات، لتصنع عراق المرحلة القادمة على نيران ساخنة.
كاتب عراقي