هناك مخاوف وشكوك كثيرة لدى واشنطن تجاه روسيا ودول أوروبية، حول مسألة الأمن الأوروبي المشترك، حيث تشك واشنطن في نوايا البعض لإزاحتها من أوروبا، وليست هي وحدها، بل وحلف شمال الأطلسي أيضا الذي بات الحديث حول مشاكله يتردد في العديد من الأوساط الأوروبية. وتصاعد الحديث في الآونة الأخيرة عن نية الأوروبيين تشكيل أمن خاص بهم لم تتضح معالمه بعد، وقد أعلن وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني أن بلاده ستقدم إلى قادة دول الاتحاد الأوروبي، اقتراحا يدعو إلى إنشاء جيش أوروبي موحد. وقد صدرت دعوة من هذا القبيل لأول مرة في ديسمبر 1999، حين وقعت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا على وثيقة إنشاء قوات مشتركة، تعمل في مجال عمل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وأكدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وجود فكرة إنشاء الجيش الأوروبي الموحد في عام 2007. ثم دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2008، إلى إنشاء هيئة لإدارة عمليات الاتحاد الأوروبي العسكرية خارج الاتحاد الأوروبي.
ولم يدخل أي جيش أوروبي موحد إلى حيز الوجود حتى الآن، إلا أن وزير الخارجية الإيطالي فراتيني يرى أن التطورات التي تشهدها الساحة الدولية، وبالأخص أنشطة الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا وعدم اهتمامها بأوروبا، تستوجب التفكير بشكل مستقل في الأمن الأوروبي، والإسراع بإيجاد جيش أوروبي موحد.
الكثير من الخبراء الأوروبيين يرون أن إنشاء الجيش الأوروبي الموحد يمثل مرحلة أساسية من مراحل مسيرة التكامل الأوروبي، على طريق إقامة الدولة الأوروبية الموحدة. ومن المؤكد أن أية قوات أوروبية موحدة مزمع إنشاؤها ستحل محل حلف شمال الأطلسي، لأن الأوروبيين لا يستطيعون تغطية نفقات «مؤسستين عسكريتين في آن واحد»، وكم عانى الأوروبيون من النفقات العسكرية في ظل حلف الناتو، في زمن الحرب الباردة وسباق التسلح الذي ابتدعته واشنطن ودفع الأوروبيون ثمنه.
الحديث حول تشكيل جيش أوروبي موحد، ليس هو الأمر الوحيد الذي يؤرق واشنطن على مصير حلف الناتو الذي تقوده وتوجهه كيفما تشاء، بل ما يزيد أرق واشنطن وخوفها، هو الحديث حول الأمن الروسي الأوروبي المشترك، وهو الأمر المطروح بجدية على الساحة الآن وحديث الأوساط الأوروبية والروسية.
فقد أعلن الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا منذ أيام قليلة، أن الاتحاد الأوروبي مهتم بمناقشة المقترحات الروسية حول الهيكلية الجديدة للأمن الأوروبي العام. وقال سولانا عشية انعقاد لقاء قمة جديد في إطار «الاتحاد الأوروبي ـ روسيا»، في ستوكهولم عاصمة السويد التي تترأس الاتحاد الأوروبي حاليا، إنه يرحب باسم الاتحاد بمقترحات الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف حول الهيكلية الجديدة للأمن الأوروبي العام، ويعرب عن استعداده للمشاركة في نقاشات صريحة وبناءة مع الرئيس الروسي في هذا الموضوع.
من جانبه أعلن الرئيس الروسي ميدفيديف، أن روسيا تدعو كل الدول الأوروبية للحوار حول صياغة هيكلية جديدة للأمن الأوروبي. وقال ميدفيديف «هذه المبادرة مطروحة لكل دول أوروبا، وبغض النظر عن انتماءاتها التحالفية. وأنا على ثقة بأن هناك دولا في أوروبا ستبقى لفترة طويلة جدا غير منتمية لحلف الناتو أو غيره من التكتلات، ولكن هذا لا يعني أن هذه الدول يجب أن تبقى بدون ميدان لمناقشة القضايا الأوروبية الحيوية.
ونحن نستطيع إنشاء مثل هذا الميدان، بما في ذلك من خلال العمل المشترك». وأضاف: «إن جميع الدول بدأت تقر بأن العالم أصبح متعدد الأقطاب، بما فيها اللاعبون الدوليون البارزون». وأكد على أهمية هذا الأمر، مشيرا إلى أن ذلك يدل على إدراك دول العالم للصعوبات المرتبطة بالتنمية العالمية.
روسيا تؤكد دائما أن تحركاتها حول مسألة الأمن الأوروبي، ليست موجهة ضد حلف الناتو ولا ضد واشنطن، ولكن تصريحات الجانب الروسي حول مسألة تعدد الأقطاب تعني عكس ذلك. ولهذا يصعب على واشنطن أن تقتنع بحسن نية روسيا تجاهها وتجاه حلف الناتو، ومن حقها أن تقلق على مستقبل حلف الناتو، خاصة وأن الأوروبيين أيضا يتفقون مع روسيا في الكثير من الأمور حول الأمن ألأوروبي المشترك.
كاتب روسي