في أول كلمة ألقاها أثناء مراسم أدائه اليمين الدستورية مؤخرا، تعهد الرئيس الأفغاني حامد قرضاي بإنهاء الفساد في بلاده. ولعلمه بحجم الانتقادات والتقريعات الموجهة إلى دوائر حكومته على خلفية اتهامها برعاية الفساد، أعرب قرضاي عن عزمه التصدي للفساد، بدءاً من حكومته بالذات.
التعريض بحكومات قرضاي السابقة بوصفها حاضنة للفساد، لم يأت من فراغ، فمنظمة الشفافية الدولية في برلين، وضعت أفغانستان في تقريرها لعام 2009 على رأس قائمة الدول التي ينتشر فيها الفساد بمعرفة الجهات الحكومية. وإذا كان هذا التشخيص صحيحاً تماماً، فإن توجه الرئيس الأفغاني لمحاربة الفساد من الرأس أولاً، يعُد صحيحاً إلى حد بعيد.. لكن قدرته على أداء هذه المهمة تبدو محفوفة بالشكوك إلى أبعد الحدود. فقه الفساد وتقارير المنظمات الدولية والوطنية المهمومة بمكافحته، يؤكدان أن أعراض الفساد تظهر في قمة المجتمع، ثم تتدحرج وتتداعى إلى بقية أعضائه.. حتى تستقر عند صغار المتنفذين والإداريين الذين يتصلون ويحتكون بحوائج عامة الشعب.
ولهذا فإن التوجهات الجادة لمكافحة الفساد، هي تلك التي تبدع آليات وأدوات لملاحقة المفسدين في المستويات السياسية والإدارية العليا للدولة. ولدينا في العالم العربي نموذجان لافتان بهذا الخصوص.. ففي عام 2007 شكل أمير دولة قطر «اللجنة الوطنية للنزاهة والشفافية»، بهدف تنفيذ الالتزامات المترتبة على الدول المصدقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ووضع استراتيجية وطنية للشفافية، والعمل على تطبيقها وتصميم التشريعات اللازمة لذلك.
وبمجرد تكوينها ركزت هذه اللجنة على موظفي الدولة، كبارهم وصغارهم، واجتهدت في متابعة تعاملهم مع المصالح الخاصة والعامة، والتخلص من المشبوهين منهم بالفساد، فضلاً عن تدريبهم على كيفية التمييز بين هذه المصالح. وكانت النتيجة سريعة ومدهشة.. ففي غضون عامين لا غير، انتقلت قطر إلى مرتبة الدول العربية الأكثر نجاحاً في مطاردة الفساد ومحاولة استئصاله.
إن معالجة الفساد تستلزم وجود قيادات عليا تجمع في مواصفاتها بين القوة والحزم والنزاهة؛ قادرة على توظيف عناصر نظيفة اليد والذمة في محيطها القريب. وربما أضمر قرضاي هذا القصد وهو يعقد النية على انتشال بلاده من لعنة الفساد. غير أن هناك شرطا حاسما آخر على طريق المكافحة الناجعة للفساد، وهو الأمن والاستقرار الداخلي.
تقول منظمة الشفافية الدولية إنه لا منطقة في عالمنا محصنة ضد الفساد. غير أن البلاد التي تعاني من بيئة اجتماعية وسياسية مضطربة، مرشحة أكثر من غيرها بكثير لتفشي الفساد من جهة، ولصعوبة مقاومته من جهة أخرى. وتتجلى صدقية هذه القناعة من ملاحظة أن بلاداً كالصومال والعراق والسودان (واليمن نسبياً)، تتقدم الدول العربية وغير العربية، التي تقل فيها الشفافية ويستشري فيها الفساد.
فالإرادة القيادية وحدها لا تكفي للوفاء بشروط محاربة الفساد، إذ لا بد من ردف هذه الإرادة بالمؤسسات المستقرة والأوضاع الأمنية المستتبة، والأجهزة الرقابية والقضائية المستقلة، علاوة على صلابة الإطار القيمي المبطن لهذه العناصر جميعاً.
ومن المعلوم أن النزاعات، الأهلية منها خاصة، تؤذي هذا الإطار بشدة، بحيث تؤدي غالباً إلى انجراف المجتمعات نحو ثقافة التعدي على القانون، والاستخفاف بالمال العام واعتباره غنيمة سائبة، وسيادة روح الأنانية والحفاظ على الذات بأية وسيلة. وبنظرة بانورامية فإن كل ما يحيط بقرضاي، يثير التحفظ إزاء إمكانية الوفاء بالعهد الذي قطعه مع نفسه يوم القسم الرئاسي.
بناء على هذه المعطيات، سيظل بوسع الرئيس الأفغاني إيجاد مخارج للتحلل من وعده بالقضاء على الفساد في بلاده، إذا ما أخل بهذا الوعد. ويجوز مثل هذا الاعتقاد بالنسبة للدول التي تعيش أوضاعاً قريبة الشبه من الحالة الأفغانية. ولكن ماذا عن زعماء الدول التي تنعم بالاستقرار والأمن على الصعيدين الداخلي والخارجي، فيما يعبث الفساد من حولهم، مخترقاً الدوائر الحكومية من أعلى جهات المسؤولية إلى أدناها؟
أعمال المؤتمر الدولي الثالث لمكافحة الفساد، الذي عقد في الدوحة بين 9 و11 نوفمبر الجاري، لا تبشر بالكثير. فالحكومات ألقت تبعات محاربة الفساد على نفسها، وعطلت كلمة المجتمع المدني وشهادته حول مدى تصديها للفساد، وبذلك فإنها تبوأت مقعدي الخصم والحكم في القضية. ولو صدقت النيات لكان أولى بالمؤتمرين الحكوميين، إحالة متابعة ملف مكافحة الفساد للمنظمات المدنية، أو لأشركوها على الأقل في هذا الأمر.
كاتب وأكاديمي فلسطيني