عندما تشارك العائلات الأميركية في المناسبات التقليدية التي تتوالى هذه الأيام، فإن الأحاديث التي تتجاذب أطرافها، تمتد في يأس بأكثر مما تتواصل في ابتهاج.

تبدو الصورة الأميركية المتعلقة بفرص العمل كئيبة وتواصل التردي، حيث يقال لنا الآن إنه ما لم يتم القيام بشيء ما، فإن البطالة يحتمل أن تواصل ارتفاعها على امتداد العام المقبل. والولايات والمجتمعات التي عانت من تردي عائدات الضرائب، تستعد لتخفيضات رهيبة وزيادات في الضرائب والرسوم. وقد تظاهر الطلاب، مؤخرا، في بيركلي وغيرها من الجامعات في كاليفورنيا، بعد الإعلان عن زيادة مذهلة نسبتها 32% في مصاريف الدراسة خلال العام المقبل.

وسيتم شطب 900 ألف وظيفة قريبا، من جراء التخفيضات على مستوى الولاية والمجتمعات المحلية فحسب. وبينما يخطط وول ستريت لمكافآت قياسية، فإن «مين ستريت» لم يبدأ في التعافي، وتعاني مراكز التسوق الأميركية من المتاجر الخاوية، حتى في مستهل موسم التسوق للعطلات.

لهذا يعد إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن قمة الوظائف المقرر عقدها في 3 ديسمبر المقبل، أمرا بالغ الأهمية، ومن الضروري أن يجعل الكونغرس والإدارة الأميركية من الوظائف بؤرة اهتمامهما الرئيسية، فنحن في حاجة إلى تحرك جريء وجديد في مجال إعادة الناس إلى العمل.

وقد جعل الأعضاء السود في الكونغرس الطابع العاجل لهذه المهمة شيئا بالغ الوضوح، من خلال الحيلولة دون اقتراع مجلس النواب على مشروع قانون مالي، وذهبوا إلى القول بأننا لا يمكن أن نمارس العمل على النحو المعتاد، فالأحياء التي قدموا إليها تنزف وظائفها، وما بدأ كأزمة قصيرة الأمد في الكساد الكبير، يتحول بسرعة إلى عجز طويل الأمد في فرص العمل، وهو عجز يمكن أن يحكم على نصف جيل بكامله من الشبان، بالبطالة والفقر والجوع. والكونغرس لا يمكنه مواصلة القلق على وول ستريت، بينما يتجاهل الدمار الذي تتعرض له المدن الأميركية.

وما يتعين القيام به ليس سرا، فنحن بحاجة إلى برنامج عام مباشر، يضم جماعات عمل حضرية وجماعات عمل خضراء، لتشغيل الشبان بصورة مباشرة في المهام التي يتعين إنجازها. ونحن بحاجة لمساعدة الولايات والمجتمعات المحلية على تجنب عمليات شطب الوظائف على نطاق واسع، والتخفيضات في الخدمات المهمة أو الزيادات في الرسوم، مثل زيادة مصاريف التعليم التي شهدتها كاليفورنيا.

ونحن بحاجة إلى التزام الجدية في ما يتعلق بالمضي قدما للتحول إلى طاقة جديدة، عبر تخصيص أموال لجعل المباني العامة ذات كفاءة عالية بالنسبة لاستهلاك الطاقة، وإعادة العاملين في قطاع المقاولات إلى العمل.

ونحن بحاجة إلى مصرف استثماري كبير لحشد رأس المال العام والخاص، للقيام بالاستثمار في إعادة بناء أميركا، مرورا بكل شيء بدءا من إنشاء شبكة كهرباء حديثة، إلى إصلاح أنظمة الصرف الصحي القديمة. ونحن بحاجة إلى استخدام أرصدة الإنقاذ التي تسددها المصارف، لتوفير خطوط ائتمان لأنشطة الأعمال الصغيرة التي تتطلع إلى التوسع.

ويثير الجمهوريون والديمقراطيون المحافظون عاصفة حول اقتراض المزيد من المال لهذه الأغراض، ويذهب بعضهم إلى القول إن الرئيس الأميركي ينبغي أن يركز على تقليص العجز، وليس على توفير الوظائف. وتقول حملة الترويع التي يشنونها، إن أميركا تخاطر بانهيار الدولار وارتفاع أسعار الفائدة، بل والعجز عن دفع قيمة سنداتنا في مواعيد استحقاقها، وانطباق السماء على الأرض إذا واصلنا الإقراض.

إن هذه هستيريا متعمدة. نعم، العجوزات الأميركية كبيرة، وذلك أمر لا ينبغي أن يكون مفاجئا في تردٍّ على هذا القدر من العمق، وعوائد الضرائب قد انخفضت، والإنفاق على البطالة وكوبونات الطعام تحلق عاليا، وتركنا بوش بعجز كبير قبل التردي المالي، وخطة أوباما للتعافي جزء صغير من العجز، أصغر مما ينبغي.

ما من أحد «يحب» العجوزات، ولكن دعونا نبادر إلى نسيان الحديث عن إفلاس أميركا، فمستوى ديننا لا يزال، مقارنة بحجم اقتصادنا، واحدا من أقل النسب في العالم الصناعي كله، والدولار لا يزال ينظر إليه على أنه جزيرة أمان، وهذا هو السبب في أن الأموال على امتداد العالم اندفعت في اتجاه الدولار، لدى حدوث الأزمة، وهذا هو السر، أيضا، في أننا لا يزال بوسعنا الاقتراض اليوم بمعدلات فائدة منخفضة بصورة ملحوظة.

أكثر من هذا، فإن الفكرة القائلة إن بقدورك تحقيق توازن الميزانية عن طريق خفض الإنفاق وزيادة الضرائب في زمن الركود، هي فكرة خاطئة تماما. فأنت إذا قمت بخفض الإنفاق الآن، فسوف يترتب على ذلك المزيد من شطب الوظائف، وإذا زدت الضرائب فإنك ستصل إلى النتيجة ذاتها، وعندما يبدأ الاقتصاد في النمو ويعود الناس إلى العمل، فإن النمو والتشغيل سيساعدان على خفض العجوزات، عن طريق زيادة عوائد الضرائب وخفض الإنفاق على دعم من يعانون من البطالة.

وإذا استثمرنا الآن لجعل الاقتصاد الأميركي أكثر كفاءة، ولإعطاء الشباب خبرة في العمل، ولتصدر الجهد المبذول في الثورة الصناعية الخضراء، فإننا سنتمكن من تقليل العجوزات بمرور الوقت. والتخفيضات الآن لن تؤدي إلا إلى مزيد من التردي.

لذا فقد آن الأوان للتوقف عن الإدعاءات الكاذبة. لن يكون أمرا معقولا إذا لم يقترع الجمهوريون بصورة جماعية ولو لمرة واحدة!

هذه أزمة قومية تواجهها أميركا، وبالتالي لا بد من التركيز والتفكير والتحرك.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae