تتقلب الأحوال بين عشية وضحاها، ولا يدوم على حاله حال، ومع ذلك نتصرف في كثير من الأحيان باطمئنان المتيقن أن كل شيء سيسير كما نريد تماما، خصوصا إذا كان يسير كذلك في الحاضر، فنقع في مطب الوهم، ونظن أن حالنا سيبقى كما أردنا إلى أبد الآبدين.

ويتفاوت الناس في درجة إيمانهم بحظوظهم من هذه الحياة، وتختلف درجة يقينهم بإمكانية استمرار أي شأن من شؤون حياتهم على حاله، خصوصًا حين تتوفر الرغبة في ذلك الاستمرار ولا يُطمح إلى أدنى تغيير فيه، إلا أنهم يتصرفون ـ في معظم الأحيان ـ كما لو أن هذا الأمر أو ذاك سيبقى على هذه الحال التي هو عليها، وهذا ـ في رأيي ـ أحد أكبر الأخطاء. ولا أنسى أن أشير إلى أننا نختلف في طريقة تصرفنا إزاء هذا اليقين بثبات الأحوال، ونراوح بحسب طبيعتنا البشرية بين جانبي الخير والشر.

الركون إلى وهم ثبات الأحوال واستمراريتها وعدم تقلب الزمان، قد يضرب رأس البعض بجدران الصدمة، ومثل هذه الضربات ـ بمجازيتها ـ تكون شديدة الإيلام الجسدي وبعيدة الأثر النفسي، لأنها مباغتة تتصيد ذروة لحظات الغفلة، وتطعن الشخص في ظهره دون رحمة.

كلنا يعرف الكثير من الحالات التي يخيّب بها الزمان ظن أحدهم ويخذله، في الوقت الذي استسلم فيه لخديعة الطمأنينة الزائفة، ومع ذلك لا نتخذ الاحتياطات اللازمة لكي نتجنب الوقوع في الفخ نفسه، بل على العكس تماما، ننزلق وراء أوهامنا، وكأننا نعيش أول أيامنا في هذه الحياة التي لم نتمكن من التآلف مع تقلب وجوهها بين طرفيْ القبح والجمال.

ليس مطلوب منا الكثير، قليل من الحذر يكفي كي ندرءعن أرواحنا ثقل الصدمة وحرقة الإحساس بها. وكم من المصائب يمكن اتقاؤها بالتحلي بهذه الصفة التي تغيب أحيانًا عند بعضنا فيوصف بالتهور، وتغلب أحيانًا عند بعضنا الآخر فيوصف بالوسوسة. المساحة الممتدة بين هاتين الصفتين واسعة جدا، لكن أغلبيتنا متركزة عند الأطراف.

لا يعنيني في سياق هذا المقال الحذر بعمومه، إنما ما أقصده هو الحذر من الثقة بالأيام، فهذا هو الوهم بعينه، وقلة منا من يدرك ذلك ويطبقه عمليًا، على الرغم من وجود عدد كبير منا يعرفه نظريًا فقط، ويقوم عمليا بممارسات تناقض ما يعرفه على المستوى النظري.

علينا أن نحسن الظن بالأيام، فإساءة الظن بها قد تكون سلبية الأثر على نفسياتنا، لكن هذا لا يعني أن نحسن الظن معها دائمًا، كما لا يجب أن نسيء الظن دائمًا أيضًا، المساحات الوسطى تحتاج إلى من يملؤها كذلك، ولنبتعد عن التطرف.. والأطراف.

قبل فترة بسيطة عايشت أحد المواقف التي جعلتني أفكر كثيرًا في هذا الأمر، إذ كان هناك شخص مسؤول يمتلك سلطة معينة على مجموعة من الموظفين الأقل شأنًا منه بكثير، وقد كان يمارس أبشع أنواع السلطة، المقرونة بالجشع والطمع والاستغلال والابتزاز وكل ما يمكن أن يتصوره ذهن أي شخص منا.

صغار الموظفين ليس لهم حول ولا قوة، منهم من يحوقل، ومنهم من يطبل لذلك الذي بلغ من العمر عتيًا، ومع ذلك لم يشعر حتى الآن بالاكتفاء من ملذات الحياة الدنيا التي حصل عليها بطرقه الخاصة.

ولا يزال يتصرف وكأنه سيعيش عمر نوح على هذه الأرض، ويبطش بطش جبار بمن يستحق ولا يستحق، ناسيًا أن كأس الدنيا قد ينقلب من بين يديه في اللحظة الأخيرة، في الوقت الذي يظن فيه أنه يمسك الدنيا كلها من أطرافها، وأنه استعبد كل من تقع عليه عيناه، لأنه يظن أنه الأقوى في وسط لا يملك أي شخص فيه صوتًا يمكنه أن يرفعه، أو كلمة يمكنها أن تقف في وجه طغيان هذا الوحش البشري.

هذا مثال واحد، دون كثير من التفاصيل التي لا أعتقد أن القارئ يحتاجها، لأن في الإشارة إليها ما يغني عنها، ولنا أن نقيس على منواله تفاصيل أخرى كثيرة، ابتداء من أبسط أمورنا الحياتية اليومية، إلى أكثرها تعقيدًا وصعوبة.

إنها الثقة الزائفة بالأيام، وبثبات الأحوال، وعدم التصديق الفعلي لاحتمال تقلب الزمان، على الرغم من كثرة تكرار الحوادث الدالّة، لكنها الطبيعة البشرية التي توهم دائما بأن الأمور السيئة تحدث للآخرين، ولا تحدث لنا أبدا، أو تجعلنا نظن أننا محصنون ضد نوائب الدهر.. حتى إن كنا نمشي في الاتجاه الذي يقود إليها بشكل أو بآخر.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com