عندما ظهر السلاح النووي السوفييتي في مواجهة نظيره الأميركي في خمسينات القرن الماضي، تعهد الاتحاد السوفييتي بألا يكون هو المبادر باستخدام هذا السلاح بأي حال من الأحوال، وكان هذا رداً على ما فعلته الولايات المتحدة في هيروشيما وناغازاكي، وظل الاتحاد السوفييتي حتى آخر أيامه ملتزماً، واتخذت العقيدة السوفييتية التي تم اعتمادها في عام 1987 طابعا دفاعيا صريحا، حيث تخلى الاتحاد السوفييتي عن مفهوم «العدو المحتمل»، وأكد الالتزامات التي كان قد أعلنها زعماؤه بعدم المبادرة بالأعمال الحربية الهجومية.
انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991 لتصبح روسيا الاتحادية وريثا شرعيا له، وتجد نفسها مجددا أمام ضرورة تحديد مكانتها في العالم، وإعداد عقيدتها العسكرية التي تتضمن استعداد البلاد للحرب وكيفية إجراء الحرب، وكذلك تصورات واضعي العقيدة للحرب المرتقبة.
وقد أعلنت روسيا في العقيدة العسكرية لعام 1993، أنها ليس لديها أعداء محتملون، والتزمت بعدم استخدام القوة العسكرية بكافة أنواعها إلا بهدف الدفاع. وتحولت الترسانة العسكرية النووية من سلاح وأداة قتال، إلى أداة سياسية لإثبات الوجود وسط الدول الكبرى، لا أكثر ولا أقل.
التطورات التالية للأحداث، أدت إلى تعديل مجموعة من بنود العقيدة العسكرية الروسية، خاصة بعد الحرب في البلقان وهجوم حلف الناتو على يوغوسلافيا، وكانت هذه أول مرة يستخدم فيها حلف الناتو القوة، وكانت الصدمة أنها جاءت في أوروبا التي تأسس الحلف لحمايتها من المد الشيوعي السوفييتي.
حينذاك شعر القائمون على العقيدة العسكرية الروسية بأن الأمور ليست كما يتصورون، بل هي أسوأ بكثير، وأن الحلف الذي تجرأ على الهجوم على دولة أوروبية، من الممكن أن يأتي اليوم الذي يتجرأ فيه على روسيا ويضربها، خاصة وأن مبررات ضرب يوغوسلافيا حتى الآن ليست مقنعة لأحد. عندها قرر القائمون على العقيدة العسكرية الروسية تغيير مبادئ وتوجهات هذه العقيدة، وقرروا الحفاظ على السلاح النووي، ليس كأداة سياسية فقط، بل كسلاح محتمل استخدامه في أي وقت.
العقيدة العسكرية الجديدة لروسيا، تقوم على أساس تصنيف الحروب من حيث نطاقها الذي يضم الحروب الواسعة النطاق والإقليمية والمحلية، وكذلك تحديد الحروب غير المعلنة، مثل النزاعات الدولية والمحلية. وتضمنت العقيدة الجديدة مبدأ جواز استخدام الأسلحة النووية لصد العدوان، سواء كان نوويا أو غير نووي، وليس في الحروب الواسعة النطاق فحسب، بل أيضاً إبان الحروب الإقليمية والمحلية.
ما هي المعايير التي تسترشد بها القيادة العليا للقوات المسلحة عند إصدار الأمر باستخدام السلاح النووي؟ يجب في الواقع توفر شرط واحد فقط، وهو نشوب نزاع يمثل تهديدا بالغ الخطورة للأمن القومي الروسي. وينطبق هذا الشرط، سواء على حرب واسعة النطاق مع كتلة تضم عددا من الدول الأجنبية، أو النزاع الحدودي مع عدة دول متطورة عسكرياً.
من المؤكد أن هناك أسبابا أدت إلى خفض عتبة استخدام الأسلحة النووية الروسية إلى مستوى النزاعات المحلية، ومن أهم هذه الأسباب، أولا: تراجع القدرات العسكرية لروسيا مقارنة بالحقبة السوفييتية، مما أدى إلى زيادة عدد الدول التي قد تشكل النزاعات معها تهديدا بالغ الخطورة للأمن القومي. ثانيا: تزايد عدد الدول التي تملك أسلحة الدمار الشامل بشكل ملحوظ، وسعي العديد من الدول لامتلاك هذه الأسلحة.
ثالثاً: التطور التقني الذي حدث للسلاح النووي بشكل عام، بحيث أصبح أصغر حجماً وأقل تأثيراً على البيئة من القنابل الكبيرة السابقة، الأمر الذي حول السلاح النووي إلى سلاح ميداني حقيقي، وليس مجرد أداة ردع أو سلاح سياسي كما كان من قبل، وأصبح من الممكن ضرب أماكن محددة بالسلاح النووي بدقة، دون إحداث كوارث بيئية كبيرة.
على هذه الأسس أعلنت روسيا في عقيدتها العسكرية الجديدة، عن إمكانية استخدامها للسلاح النووي في حروب كبيرة أو محدودة، كما أعلنت أيضاً عن حقها في توجيه ضربات نووية استباقية.
كاتب روسي