مع زيادة الضغط الغربي على إيران، بدأت الأصوات تتصاعد مطالبة بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران، من دون أن تفكر هذه الأصوات في أمر مهم وحيوي، وهو هل تجدي هذه العقوبات مع إيران، أم أن ذلك مجرد خطوة رمزية في مواجهتها؟
فالحاصل أن مبدأ العقوبات الاقتصادية لم يكن فعالا في مواجهة أية دولة، من نظام جنوب إفريقيا العنصري إلى العراق إلى كوريا الشمالية وغيرها، بل يفتح الباب أمام التجارة غير الشرعية عبر السوق السوداء، ويفتح الباب أمام السمسرة وغيرها من أنواع الاقتصاد السري.
وفي ما يتعلق بإيران على وجه الخصوص، فإنه مفروض عليها، ليس فقط عقوبات اقتصادية، وإنما هناك ما يشبه الحظر الاقتصادي عليها منذ نجاح ثورتها الإسلامية عام 1979، وكان ذلك بهدف إسقاط نظامها السياسي عبر تجويع الشعب الإيراني بما يجعله يثور على النظام، ومع ذلك فإن النظام الإيراني ازداد قوة وفرض بذلك على بعض الدول التراجع عن خطواتها العقابية، لأنها رأت أن مصلحتها في التعاون الاقتصادي مع إيران، وليس في مقاطعتها.
والذي خفف من معاناة إيران تجاه العقوبات الاقتصادية الدولية، أنها دولة غنية نفطيا وحصيلة إيرادات بيع النفط تمكنها من الحصول على أية مواد غذائية أو أساسية تدخل في نطاق الحظر، بل إنها تمكنت من الحصول على بعض التكنولوجيا النووية، على الرغم من العقوبات المفروضة عليها.
وفي ما يتعلق بالعامل النفطي، فإن السوق النفطية وما يحدث فيها من تطورات، تجعل إيران هي الطرف الأقوى في مواجهه الغرب إزاء مسألة العقوبات، وتسمح لها بهامش كبير من المناورة، حيث إنها أحيانا ما تعطي بعض الدول مزايا تفضيلية في عقود النفط، مبيعا أو تنقيبا، كمكافأة لمواقف هذه الدول من الملف النووي الإيراني.
ويساعد هذا العامل النفطي في كبح جماح الدول الغربية، لأن فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع جنوني في الأسعار لا يستطيع الاقتصاد العالمي تحمله في الوقت الراهن، وإن فرض الغرب المزيد من العقوبات الاقتصادية واستثنى منها النفط، فإن ذلك سيكون دليلا على انتهازيته.
وبالتالي فإن التصعيد الذي يمكن أن يواجه إيران، ليس في المزيد من العقوبات الاقتصادية لأنها مطبقة بالفعل، وإنما في عملية عسكرية يطالب بها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة، وتتردد الإدارة الديمقراطية في التلويح بها. وإن قررت أن تلوح بها، فهي لن تستطيع إقناع العالم بها، ولن تتمكن من حشد التحالف الذي يقوم بها، وهي لم تستطع حشد هذا التحالف في مواجهة العراق، وموقفها حاليا أسوأ منه إبان التلويح بالحرب ضد العراق، سواء بسبب النتائج التي تمخضت عنها الحرب، أو بسبب التحولات التي حدثت على صعيد الرأي العام الدولي.
وبالطبع فإن الدول التي تهدد بفرض المزيد من العقوبات على إيران، تعرف جيدا كل ما ذكرناه حول عدم فاعلية العقوبات الاقتصادية تجاهها، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى البحث عن أمرين؛ الأول يتعلق بالتصعيد إزاء إيران الذي تمارسه الدول الغربية، هل المقصود به هو المزيد من العقوبات أم العمل العسكري؟ ومن يتابع التصريحات الخاصة بهذا الأمر، سوف يلاحظ أنه ليس لدى الجانب الغربي اتفاق حول توجه عام تجاه إيران، بما يعني أن الخطوات التصعيدية المتوقعة لو حدثت، فلن تكون في وقت قريب.
أما الأمر الثاني، فهو يتعلق بما يمكن تسميته بالدور الخارجي في الملف النووي الإيراني. فلم يعد الموقف تجاه هذا الملف متعلقا بالدول الأعضاء في المجلس التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة النووية، ولا بأعضاء مجلس الأمن، وإنما أصبح متعلقا أكثر بدولة من خارج هذين التجمعين، وهي إسرائيل التي تلعب دورا فيه من خلال التهديد بأن تقوم هي نفسها بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
وهو ما يدفع المجتمع الدولي للمزيد من الضغط على إيران، لأن هذه العملية العسكرية يمكن أن تؤثر على ملفات مهمة في منطقة الشرق الأوسط، وتهدد بإحداث فوضى فيه وإعادة رسم خريطة التحالفات مرة أخرى. كذلك تقوم إسرائيل بحشد اللوبيات الموالية لها في الدول الغربية، من أجل استنفار الحكومات الغربية لاتخاذ مواقف مناهضة للملف النووي الإيراني وحتى يظل الملف مفتوحا دائما، لعل الأمور تتعدل بما يوجد المناخ المناسب لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
فما يحدث حاليا، في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، لا يتعدى البحث عن وسائل تجعله مفتوحا. وبالتالي فإنه من المتوقع في مرحلة ما قريبة، أن تضاف سلع إلى تلك التي يشملها الحظر الاقتصادي على إيران، ولكن الأخيرة لن تتأثر بذلك لأنها تستطيع التحايل على العقوبات. وسيظل الوضع متوترا بين إيران ومعظم الدول الغربية، حتى تتم حلحلة خلافات ومشكلات أخرى بينها وبين إيران، بعيدة عن الملف النووي، لكن الدول الغربية لا تريد أن تعلن عنها حتى لا تتهم بالانتهازية.
وبالطبع فإن دولا أخرى في المنطقة وخارجها، تريد أن تقوم بدور الوسيط بين الطرفين، لكن ملامح الصفقات المتوقعة لم تختمر بعد، وحتى حدوث ذلك سيكون الملف النووي الإيراني قد أخذ شكلا آخر مختلفا تماما.
كاتب مصري