كان تشبث أبي بفكرة إرسال أولاده لاستكمال دراستهم في أوروبا يرجع جزئيا، بلا شك، إلى عقدة الخواجة، وإن كان للفكرة ما يبررها بالطبع في حالة دراسة الهندسة (كما في حالة أخي محمد وعبد الحميد)، أكثر منها في حالة الذهاب لدراسة الإنسانيات أو العلوم الاجتماعية أو الآداب (كما في حالة زوج أختي الذي ذهب إلى أكسفورد لدراسة شعر أبي فراس الحمداني!).
وكانت الخطابات التي تأتينا من إنجلترا من محمد وعبد الحميد ومن أختي وزوجها، تدعم ما كان لدينا من قبل من عقدة الخواجة: «كل ما يفعله الإنجليز عظيم»، هكذا كانت تقول الخطابات الواردة من إنجلترا، ليس فقط في العلم والتكنولوجيا، ولكن أيضا في العلاقات الاجتماعية. ولا شيء يعيب إنجلترا إلا البرد الشديد، الذي لا ذنب للإنجليز فيه، والطعام المسلوق الذي هو أفضل للصحة على أي حال.
أذكر خطابا أرسلته لنا أختي (في وقت ما في أواخر الأربعينات)، تقول لنا فيه بفخر إن زوجها بدأ يتلقى دروسا في الرقص الغربي، وإن كان يجد مشقة كبيرة في تعلم خطوات التانجو! كان الرقص الغربي الشائع في ذلك الوقت، بعكس الشائع الآن، هو الرقص الثنائي حيث يحيط الرجل بذراعه خصر المرأة التي يراقصها، فاعتبرنا نحن أيضا أنه هكذا يجب أن يكون الرقص، وأخذنا نتعلمه كمظهر من مظاهر التمدن والعصرية.
واعتبرت الطبقة المتفرنجة في مصر أي شخص ينتقد هذا النوع من الرقص أو يظنه إفراطا في الإباحية، شخصا رجعياً ومتخلفا، إذ كيف يظن أن مجرد أن يمسك الرجل بيد المرأة، ولو كانت غريبة عنه، أو أن يحيط خصرها بذراعه، خروج عن الأدب، أو وقوع في الفاحشة؟ لا بد أن زوج أختي كان قد اقتنع بذلك عندما ذهب لأخذ دروس في الرقص أثناء إقامته في إنجلترا، ولم يمنعه من الاستمرار في ذلك أي شك في أخلاقية العمل، بل منعه فقط أنه لم يكن يمتلك أي حس موسيقي، فعجز عن التحرك الطبيعي مع الموسيقى، وأعلنت مدرّسة الرقص يأسها التام منه.
هكذا كان شعوري أنا أيضا نحو الغرب، عندما سافرت لدراسة الاقتصاد في لندن. وعندما أخبرت أستاذي سعيد النجار، الذي حصل على الدكتوراه في الاقتصاد من نفس الجامعة، وكان يعاني هو نفسه مثلنا جميعا من عقدة الخواجة، بأمر البعثة، قال لي إني ذاهب بقدمي إلي «عرين الأسد».
قد يبدو من المدهش الآن أن تلك السنوات (581964) التي قضيتها في إنجلترا، والتي شهدت أعنف هجوم من جانب جمال عبد الناصر والثورة المصرية على الغرب، وتعاطفت أنا خلالها مع معظم انتقاداته للغرب والاستعمار، لا يبدو أنه كان لها أثر يذكر في إضعاف عقدة الخواجة لديّ أو لدى جيلي من المصريين.
ولكن ليس من الصعب تفسير ذلك، فهجوم عبد الناصر العنيف على الغرب لم يكن مبعثه كراهيته لنمط الحياة الغربي، بل مجرد كراهيته للسيطرة الغربية، ومن ثم نلاحظ أنه كلما وجد عبد الناصر أنه قد حقق بعض التقدم في التحرر من هذه السيطرة، راح يقلد النموذج الغربي بحذافيره، بما في ذلك تحويل مؤسسة الأزهر إلى نسخة بائسة من الجامعات الحكومية التي تطبق نفس النموذج الغربي في التعليم، مع إضافة اللغات الأجنبية إلى المقررات التقليدية في الشريعة وأصول الدين وقواعد اللغة العربية.
الأصعب في التفسير هو ما حدث من تغير كبير في موقفي من الغرب في السنوات الأخيرة من الستينات وأوائل السبعينات، وكنت حينئذ في نحو الخامسة والثلاثين من عمري. هل يجوز أن أفسر هذا التحول بما كان يحدث في الغرب نفسه من تحولات؟ إن بعض الكتاب يشيرون إلى منتصف الستينات كنقطة مهمة في تاريخ الغرب، إذ يشيرون إلى بداية ظهور المجتمع الاستهلاكي أو إلى بداية انتشار الحرية الجنسية، أو بدء انتشار النمط الأمريكي في الحياة.. الخ.
هل جعلني هذا، كله أو بعضه، أكثر استعدادا مني في أي وقت في الماضي، لاكتشاف بعض العيوب في نمط الحياة الغربي، بل والشك في أفضليته على نمط حياتنا؟
أم أن للأمر علاقة بهزيمة العرب الفظيعة في 1967؟ نعم، لقد انتشر بعد هزيمة 1967 كثير من مظاهر الحنين إلى الماضي، كزيادة الكتابات التاريخية التي تعيد إلى الناس بعض الثقة بماضيهم الأفضل من حاضرهم، وكالاهتمام بإحياء الموسيقى العربية، وكانتشار مظاهر التدين والتمسك بشعائر الدين، لدى المسلمين والمسيحيين على السواء.
ولكن هل كان هذا وذاك من مظاهر الشك في أفضلية النمط الغربي في الحياة، أم مجرد بحث عن وسيلة للعزاء والسلوى بعد هزيمة منكرة؟
هل كان ما أصاب عقدة الخواجة عندي من ضعف، ابتداء من أواخر الستينات وأوائل السبعينات، ما قرأته في هذه الفترة من كتب في نقد الحياة الغربية، ونقد التكنولوجيا الحديثة، تثير الشك في فكرة التنمية الاقتصادية من أساسها؟
لقد بدأ الغرب نفسه، في هذه الفترة، يعبّر عن شكوك قوية في طريقته في الحياة من أكثر من جانب. كانت ثورة الطلبة في 1968 من هذا النوع، وكذلك زيادة الاهتمام بحماية البيئة وكثرة الكلام بين الشباب في الغرب عن «نوعية الحياة» (quality of life).
وقد تابعت هذه الكتابات باهتمام، ووجدت ثورة الطلبة في فرنسا ثم في بقية أوروبا والولايات المتحدة، صدى قويا في نفسي، وقرأت بشغف كتاب هربرت ماركيوز (Herbert Marcuse) في «نقد الإنسان ذي البعد الواحد» (One Dimensional Man) وكتاب شوميخر (E. Schumacher) «الأصغر هو الأجمل» (Small is Beautiful)، فضلا عن كتب إيزرا ميشان (Ezra Mishan) في نقد التنمية الاقتصادية... الخ.
وكان لهذا كله أثر قوي في نفسي، ولكن المرء يبحث عادة عن الكتب التي تتفق مع مزاجه وتؤيد رأيه أو تدعم شعوره، فلا بد أن تغير مشاعري نحو الحضارة الغربية كانت له أسباب أخرى غير مجرد قراءة كتب بعينها. وأعتقد الآن أن سببا مهما منها هو ما حدث في مصر في أعقاب حرب 1973، وعلى الأخص ما سمي ب«الانفتاح الاقتصادي». ولكن هذا يحتاج إلى المزيد من التفصيل.
كاتب مصري