تعامل روسيا مع الصراع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، بدرجة كبيرة من الاهتمام، وتضعها على أولويات أجندتها في السياسة الخارجية، خاصة في الجزء من المنطقة الذي تتعامل معه روسيا كجزء ليس ببعيد عن أمنها الإقليمي، وتسعى موسكو إلى الإسهام في قيام الشرق الأوسط، هذه المنطقة الكبيرة والمهمة، وإيجاد الظروف المؤاتية من أجل تعزيز الجهود الجماعية الهادفة إلى تسوية المشاكل الحادة في المنطقة، وعلى رأسها الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ولا شك أن عملية السلام في الشرق الأوسط ليست الآن في أفضل أوقاتها، وخاصة بعد أحداث غزة المأساوية؛ فعلى أثرها توقفت الاتصالات والحوار على كافة المحاور، وتم تجميد الاتصالات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وأيضا الحوار بين سوريا وإسرائيل عبر الوساطة التركية.

وفي روسيا ينظرون إلى الأمور بواقعية ولا يستسلمون لليأس، وترى موسكو دائما أن الفرص ما زالت متوافرة أمام تسوية شاملة ودائمة لهذا الصراع. لكن هذا يعتمد ـ قبل كل شيء ـ على الأطراف المعنية، وعلى إرادتهم السياسية وقوة سعيهم لذلك. والأساس لذلك هو مبادئ القانون الدولي والقرارات الدولية، ومؤتمر مدريد، وخريطة الطريق، وبيانات اللجنة الرباعية، وكذلك المبادرة العربية للسلام.

وهذا في مجموعه يجب أن يمثل خطة عمل اللجنة الرباعية وكافة الجهود الدولية. وفي روسيا يرون أنه لا حاجة لاختراع وصفات جديدة في المنطقة، لأن كل شيء بات مطروحاً، ولم يعد هناك أي جديد مخفي، والمهم أن تنفّذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها، وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها أن تمسّ بعمليات التسوية التي ترتبط أساساً بمسألة الوضع النهائي للفلسطينيين.

الآن، الجميع متفقون على مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية التي تعيش بسلام وعلاقات حسن جوار مع إسرائيل، أو ما يسمى بحل الدولتين.. تتمحور المسألة حول البدء الفعلي بهذه المفاوضات، ولكن من أجل هذا من المهم أن نتبع النقطة الأساسية للقانون الدولي، الأمر الذي يفرض على الجانب الفلسطيني اتخاذ خطوات لتعزيز الأمن، وكذلك إيقاف النشاط الاستيطاني من الجانب الإسرائيلي. ومن المهم الحذر الشديد للغاية حيال التصرفات في قضايا حساسة، مثل مشكلة القدس الشرقية.

بعد مؤتمر نيويورك بدأ الفلسطينيون والإسرائيليون، بمساعدة الأميركيين وغيرهم من الأطراف المعنية، بالبحث عن صيغة من شأنها أن تذلّل العقبات وتعيد مفاوضات السلام إلى مجراها. ومن الممكن أن يكون مؤتمر موسكو بداية لذلك، وهذا الموضوع نوقش من قبل اللجنة الرباعية، وطبيعي أن لقاءً كهذا يجب أن يتم الإعداد له بشكل جيد. بمعني أنه يجب أن نعطي دفعة للمسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وكذلك السوري ـ الإسرائيلي، والإسرائيلي ـ اللبناني أيضاً، والبدء بمناقشة هذه المسائل الملحّة لجميع دول هذه المنطقة.

أمّا اليوم، وبعد أن دخلت الاتصالات بين إسرائيل وجيرانها في (استراحة)، يصعب ملء الشقّ العملي في المؤتمر، ولذا يجب على موسكو ألا تتسرّع في إعلان عقد المؤتمر. ومن المهم الإشارة إلى أن المؤتمر يجب أن يناقش مسائل معقدة، لن ننجح من دونها في إحلال السلام في المنطقة، بينها الأمن الإقليمي والبيئة والمياه والتعاون الاقتصادي. بمعنى آخر، إن المطلوب من المؤتمر أن يشكّل رافعة أساسية ونقطة انطلاق لدفع التسوية. لذلك يجب عدم التسرع في إعلان المواعيد قبل أن تنضج الظروف لإنجاح أعمال المؤتمر.

روسيا الآن على علاقات طيبة وودية مع إسرائيل، وهي أيضا منذ البداية مع الوحدة الفلسطينية، والجميع يعلم أن روسيا على علاقة جيدة بقيادة حماس، وتتكلم بصراحة مطلقة مع الفلسطينيين، بمن فيهم قيادة حماس، وتحثهم على أن يكونوا على مستوى المسؤولية حيال الوضع السياسي الحالي والتطلع إلى مستقبل شعبهم، كما أن لروسيا علاقات طيبة وجيدة مع كافة الأطراف الإقليمية، سواء سوريا أو إيران أو لبنان بكافة تشكيلاته من معارضة وموالاة ومقاومة.

ومن هذا المنطلق لا يجوز لأحد أن يزايد ويكابر ويقول إن الدور الروسي ليس له أهمية، أو أن مؤتمر موسكو لا جدوى من ورائه، بل الأصح أن الدور الروسي هو المتبقي والمطلوب الآن لتفعيل كل المبادرات الأخرى.

كاتب روسي