القاسم المشترك الوحيد بين الشعوب العربية وشعب الولايات المتحدة الأميركية، يتلخص في: حب الإثارة. يتجلى هذا الحب لدى الأميركان في نوعية الأفلام السينمائية التي ينتجوها. وأما العرب فهم يصحون كل يوم على كارثة أو في انتظار كارثة، وإن لم تحدث فيجب اختراعها.

آخر صرعات حب الإثارة لدى الأميركان رأيناه في الفيلم (الخيالي) الذي يبث حاليا في كافة صالات دور السينما في العالم، وحصد ملايين الدولارات (يقال إنه استرد في أقل من أسبوعين أكثر من 230 مليون دولار من قيمة تكلفته الإجمالية التي بلغت 260 مليون دولار)، كلها جاءت من جيوب المشاهدين الفقراء والأغنياء البيض والسود ومن جميع الجنسيات، الذين استمتعوا على مدى ساعتين ونصف الساعة بصور وأشكال وهيئة نهاية عالمهم عام 2012.

أما العرب، فهم على قدر حالهم. فإمكانياتهم المادية والخيالية الحالية لا تتعدى تقديم فيلم «واقعي» (حقيقي)، يتلخص في شبه حرب تنشب بين ثلاث دول عربية مسلمة رائدة في تاريخنا: مصر والجزائر، وأخيرا السودان التي دخلت مباشرة على الخط. وتدور أحداثه حول صراع شعوب هذه الدول الثلاث، على كرة مطاطية باللونين الأسود والأبيض مملوءة بالهواء الفارغ. وبالطبع فإن معظم مشاهدي الدول العربية لا يملك حتى قوت يومه، ولذا قررت الحكومات الثلاث أن تتفرج شعوبها والعالم على هذا الفيلم بالمجان.

وكان أحرى بمشجعي الفريقين المصري والجزائري، أن يدفعوا ما قيمته ثلاثة سندويتشات طعمية وفلافل (وضعا في الاعتبار الأزمة التي تحصد العالم هذه الأيام)، مقابل إثارة ما بعدها إثارة. فقد استطاع المخرج الأميركي رولاند إميريخ على مدى ساعتين ونصف، أن يجعلنا نفكر ألف مرة في معنى الحياة وقيمتها وما يمكن أن يكون عليه شكل من أشكال يوم القيامة، أو كما يطلق عليه الأوربيون «الأبوكاليبس».

وقد اعتمد المؤلف على شائعة (وربما حقيقة) بدأت تنتشر في العالم في الأيام الأخيرة، بأن نهاية الكون ستقع في 21/12/2012، بناء على بعض الحسابات الفلكية التي قامت بها شعوب حضارة المايا في المكسيك قبل آلاف السنين، ثم تأكيد بعض باحثي الظواهر غير الطبيعية المتمثلة في اكتشاف حلقات ذات أشكال هندسية معقدة وهائلة الحجم والتصميم، في حقول الذرة التي اكتشفت مؤخرا في بريطانيا وتؤكد ما جاء في رموز حضارة المايا بخصوص تحديد تاريخ نهاية العالم. ونحن نقول علمها عند ربي.. ولا تأتينا إلا بغتة.

أيا كانت الحقيقة والخيال في تلك النظريات، إلا أن هذا الاستعراض السينمائي الضخم يحمل عدة دلالات فنية وإنسانية وأخيرا سياسية.

من الناحية الفنية، أكدت السينما الأمريكية أنها الأولى دون منازع في صناعة الأفلام، وأنها متقدمة بمئات السنين عن السينما الأوروبية. فاستخدام التقنيات المعقدة لإنتاج مثل هذه الإثارة، يستحق التقدير. فمن الصعب أثناء مشاهدة هذا الفيلم أن لا تتخيل نفسك في هذا الموقف، أو أن تخرج بعدها من دار العرض دون أن تفكر في أن الأرض سوف تنشق أمامك وتبتلعك مع عربتك الفخمة.

وأن تتمنى قبل أن تنام أن ترتقي السينما العربية بإخراجها وأفكارها ومواضيعها وحتى ممثليها، فقد اكتفينا بالتهريج المتكرر من قبل مجموعة من الممثلين المتكررين، الذين يجاهدون بشق الأنفس لاستجداء ابتسامة من هنا أو ضحكة يتيمة من هناك. قال لي أحدهم يوما، إنه كان مغتما فدخل لمشاهدة فيلم كوميدي من إنتاج مصري، لكنه خرج أكثر حزنا.. فمعظم المشاهدين كانوا يضحكون بشكل مصطنع لأنهم دفعوا قيمة تذكرة لفيلم كوميدي!

من الناحية الإنسانية، فإن البشرية غاب عن بالها ما تذكرها به دائما دياناتها عن نهاية العالم. أي أن هذه الصراعات والحروب لن تغير شيئا من الأقدار التي تنتظرنا جميعا. بيد أن البشر، رغم العقل الجبار الذي منحهم إياه الخالق، يحاولون الهروب من هذه الحقيقة المرة بقتل الآخر، طمعا في أرضه أو ماله. بينما المرجو هو التآزر البشري لحماية هذا الكائن المهدد بالإبادة الجماعية عاجلا أم آجلا، وأن لا خلاص له إلا من خلال التغاضي عن الاختلافات اللونية والاجتماعية والعرقية.

غير أن أكثر ما يركز عليه هذا الفيلم هو الرمز السياسي. فالكارثة بدأت من الولايات المتحدة الأميركية، وجعلتها بمبانيها وشوارعها وسكانها، كأنها عصف مأكول. ولم يكن هناك بد من الهروب جوا، لتفادي البراكين التي كانت تتفجر من تحت الأرض، والأمواج الهائلة التي أغرقت مدن الولايات المتحدة الكبيرة، ولكن إلى أين؟

فالكرة الأرضية مهددة برمتها. أما سفينة نوح التي أنقذت الكائن البشري في النهاية من الانقراض، فكانت مصنوعة في الصين. وكان منظر طائرة الرئاسة الأمريكية الخاصة وهي تصطدم كالقشة ب»فلك» الصين العظيم وتتحطم أمامه، تأكيدا على انتهاء دور الولايات المتحدة الأميركية في العالم، وبداية عهد الصين.. خاصة عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة (الأسود) معترفا قبل أن تغوص أميركا في «الظلام» الأبدي، بأنه آخر رئيس لهذه القوة الأعظم!

فهنيئا لشعب مصر (الذي ساهم في زمن عبد الناصر في انفجار ثورة الجزائر)، وهنيئا لشعب الجزائر (الذي قدم مليون شهيد ثمنا لحريته من أغلال الاستعمار الفرنسي)، وهنيئا لشعب السودان (الذي يئن من الفقر والجوع رغم مساحاته الزراعية الهائلة).. هنيئا لهم فوزهم جميعا بهدف لكل منهم، بضربة ركنية في شباك الخلافات التي تفجرت فيما بينهم ركلا وشتما وتهجما واستدعاء للسفراء، على خلفية كرة مطاطية مملوءة بالهواء الطلق. هنيئا لهم لأنهم جعلونا فرجة للعالم.. بدون تذاكر دخول.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com