إذا كان خطاب الرئيس محمود عباس الذي أعلن من خلاله عدم رغبته في الترشح لولاية رئاسية جديدة، قدم شكلاً من أشكال المراجعة المختصرة والسريعة للسياسة الفلسطينية على مختلف الأصعدة، الداخلية، والعربية والدولية، بدون أن يخرج باستنتاج واضح، فإن رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الدكتور صائب عريقات، هو من تطوع للإعلان بأن المفاوضات السياسية قد فشلت، رغم مضي ثمانية عشر عاماً على بدئها في مؤتمر مدريد للسلام أواخر العام 1991.
في تفاصيل الحديث يتضح أن الفلسطينيين قد أصيبوا بخيبة أمل مريعة، إذ لا مجال للمراهنة على الائتلاف اليميني الذي يقوده بنيامين نتنياهو، لتحقيق السلام ورؤية الدولتين، ولا مجال للمراهنة على سياسة أميركية مختلفة، بعد أن تراجعت إدارة أوباما عن موقفها الأول الذي يطالب إسرائيل بتجميد الاستيطان بكافة أشكاله وأنواعه.
وفي الواقع أيضاً، يستدل من خطاب الرئيس عباس أنه بكل ما يتميز به من مرونة، ومن التزام بخيار السلام، إلا أنه لا يستطيع المضي قدماً في ظل شروط إسرائيلية وأميركية، تستدعي تنازلات لا يقوى عباس على تقديمها، تقود إلى الاعتقاد بأنه لا يقصد المفاوضات والمحاولات الأخيرة الجارية لإحياء العملية السلمية، بقدر ما أنه يصدر حكماً على الخيار الذي اعتمدته منظمة التحرير الفلسطينية منذ انعقاد مؤتمر مدريد، وهو خيار المفاوضات لتحقيق تسوية تضمن تلبية الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وإذ من غير الممكن أن تكتفي قيادة سياسية مسؤولة، أي قيادة، بالحكم على خيار خضع لتجربة طويلة ومضنية، بأنه كان خياراً فاشلاً بدون أن تقدم بديلاً، فإن الخيارات المطروحة أمام المنظمة والسلطة هي خيارات محدودة، يضعفها أيضاً الانقسام الفلسطيني الذي يستتبع انقساماً عربياً حول قضايا أخرى من بينها الموضوع الفلسطيني.
الخيار الذي يلجأ إليه الفلسطينيون على عجالة، وبدون أن يخضع لمراجعة شاملة في أطر العمل الفلسطيني المشترك، ولا حتى لدراسة تضعه في سياق البحث عن استراتيجية جديدة تستلزمها تطورات الوضع، هذا الخيار كان عنوانه التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لمطالبته بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967.
هذا الخيار كان قد تحدث عنه قبل أسابيع رئيس الحكومة الدكتور سلام فياض، حين أعلن أن برنامج حكومته خلال العامين المقبلين، سيعتمد تنفيذ مشاريع كبرى تقع ضمن إطار عملي، وهو بناء مؤسسات الدولة على الأرض.
بناء مؤسسات الدولة من قبل حكومة الدكتور فياض، كترجمة واقعية وعملية لقرار التوجه إلى مجلس الأمن، لا يشكل إعلاناً لإقامة الدولة الفلسطينية من جانب واحد كما أرادت حكومة نتنياهو أن تصور الأمر، وإنما يشكل عنواناً كبيراً لسياسة تحتاج من الفلسطينيين إلى الكثير.
حين طرح الدكتور فياض برنامجه لإقامة مؤسسات الدولة، ثار انطباع بأنه لا يمكن أن يفعل ذلك بدون ضمانات ووعود دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة، إذ إن المشاريع التي تحدث عنها تحتاج إلى تمويل ضخم لا تملكه السلطة، وتحتاج أيضاً إلى حماية وضمانات قوية تمنع إسرائيل من تدمير ما يتم بناؤه.
غير أن ما تحدث عنه فياض جاء في أوج المحاولات الأميركية لتأمين عودة المفاوضات وإحياء العملية السلمية، أما الآن فالأمر على نحو مختلف.
وفي ذلك الحين كان المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، وخلال جولة في المنطقة قبل إعلان فياض برنامجه بأسابيع قليلة، قد طالب في تصريح علني مجلس الأمن بالاعتراف بدولة فلسطينية وتحديد جدول زمني للمفاوضات، الأمر الذي يعتبر مؤشراً نحو موقف أوروبي يفترض أنه مؤيد للموقف الفلسطيني من مسألة طرح الدولة على مجلس الأمن.
إسرائيل الباحثة عن ذرائع لتبرير سياستها العدوانية، والمعطلة لإمكانية إحياء عملية السلام، قابلت التصريحات الفلسطينية بإطلاق الكثير من التهديدات، فالبعض تحدث عن أن إسرائيل قد تقوم بإعادة احتلال مناطق ضمن مسؤولية السلطة، والبعض الآخر تحدث عن إمكانية ضم الأراضي التي تُقام عليها المستوطنات.
أما وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، فقال إن ذلك سيؤدي إلى إنهاء كل الاتفاقيات التي تم إبرامها مع الفلسطينيين، الأمر الذي يعني أن السلطة الفلسطينية ذاتها ستكون مهددة بوجودها.
أما الولايات المتحدة، فأعلنت رداً على التصريحات الفلسطينية، أنها تفضل المفاوضات كسبيل لقيام الدولة الفلسطينية. هذا الموقف، وإن كان غير متشدد وغير حاسم إزاء المسعى الفلسطيني، إلا أنه يعكس مرةً أخرى ما هو متوقع من السياسة الأميركية، التي تؤكد كل يوم أن اختلاف الرؤساء والإدارات لا يغير من حقيقة وعمق التحالف الأميركي الإسرائيلي.
يعتقد البعض أن الموقف الذي أعلنته السلطة من مسألة نقل موضوع الدولة إلى مجلس الأمن، إنما يندرج في إطار المواقف التكتيكية التي تقصد تحريك أطراف أخرى فاعلة في اتجاه الضغط على الولايات المتحدة أو إسرائيل، لتعديل موقفها من الاستيطان بما يسمح بإطلاق المفاوضات وإحياء العملية السياسية من جديد.
في هذا الإطار يمكن تفسير التصريحات الفرنسية التي تحدثت عن مبادرة مشتركة مع روسيا، ولاحقاً عن إمكانية عقد مؤتمر دولي شبيه بمؤتمر آنابوليس في باريس، من أجل معالجة العقد التي اعترضت سبيل المسعى الأميركي لإطلاق مفاوضات السلام. وكانت أوروبا تفضل أن تدعم مساعي إدارة أوباما، خصوصاً عندما كانت تتبنى الموقف الذي يطالب إسرائيل بتجميد كامل للاستيطان.
على أن ثمة اتجاها آخر في الساحة الفلسطينية يعتبر أن الموقف الذي تقدمت إليه المنظمة والسلطة، وتبنته لجنة المتابعة العربية خلال اجتماعها الأخير في القاهرة، إنما يشكل عنواناً لخيار واستراتيجية جديدة تنهض على أنقاض خيار المفاوضات، دون أن تقطع بالكامل هذا الخيار، وعلى هذا الأساس يجري البحث في مكونات ومتطلبات هذه الاستراتيجية الجديدة، وممكنات نجاحها.
إن بناء استراتيجية جديدة، يجب أن يأخذ في الاعتبار تقييم الخيارات السابقة، بما في ذلك خيار المفاوضات وخيار المقاومة وتقييم أشكالها. وعدا عن ذلك فإن بناء استراتيجية جديدة يستدعي أولاً أن تكون في إطار توافق وطني فلسطيني شامل، وهو غير موجود حتى الآن، إذ إن حركة حماس سجلت رفضها لموقف السلطة من نقل مسألة الدولة إلى مجلس الأمن. كما أن هذه الاستراتيجية الجديدة تستدعي إعادة النظر في كل الحالة الفلسطينية، بمختلف أشكالها وإداراتها وآلياتها ومواقع فعلها.
كاتب فلسطيني
