تصاعدت في الآونة الأخيرة التصريحات الصادرة في موسكو تجاه إيران، بالدرجة التي تصور معها الكثيرون أن روسيا أصبحت مع الولايات المتحدة في جبهة واحدة ضد إيران.
فقد قال الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف للصحفيين، بعد اجتماع مع الرئيس الأميركي باراك أوباما على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في سنغافورة، إن روسيا والولايات المتحدة قد تلجآن إلى استعمال «وسائل أخرى» غير المباحثات، إذا لم تعط إيران ردا على أسئلة عن برنامجها النووي.
وفهم البعض من هذا التصريح أن موسكو سوف توافق على أي شكل من العقوبات المشددة تفرضها واشنطن على طهران، خاصة وأنه سبق أن صدر تصريح مشترك من الرئيسين الروسي والأميركي يبلغان فيه إيران بأنه «للصبر حدودس، كما ظهرت بعد ذلك قضايا أخرى تقول في ظاهرها إن روسيا ليست راضية عن إيران، وأن هناك تغييرات في توجهات السياسة الروسية تجاه الجمهورية الإسلامية.
فقد سمعنا منذ أيام عن قرار الشركة الروسية المسؤولة عن بناء وتشغيل محطة بوشهر النووية في إيران، بتأجيل تشغيل المحطة التي كان مقررا تشغيلها قبل نهاية هذا العام، ولم تبد الشركة الروسية أية أسباب لقرارها. كما سمعنا أيضا عن قرار روسيا بعدم توريد منظومة الصواريخ (س ـ 300) لإيران في موعدها، حسب ما هو وارد في الاتفاق بين البلدين الموقع منذ عامين.
في نفس الوقت لاحظنا ردود فعل غاضبة من الجانب الإيراني على هذه التصرفات من جانب موسكو، فقد انتقد عسكريون إيرانيون روسيا على مماطلتها في تزويد طهران بأنظمة «س ـ 300».
وصرح بذلك رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال حسن فيروز آبادي، الذي حذر من أن تأخير توريد الأنظمة الصاروخية المذكورة سيكون له تأثير على العلاقات بين البلدين، كما سبق أن دعا وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي، روسيا إلى تنفيذ بنود عقد تزويد الجمهورية الإسلامية بأنظمة «س ـ 300» وعدم الخضوع «للضغط الصهيوني».
في ظل هذه الأوضاع يبدو للكثيرين وكأن هناك بالفعل أزمة في العلاقات بين موسكو وطهران، ولكن في تصورنا أن هذا ليس صحيحا بشكل مطلق، فالعلاقات الروسية الإيرانية كما يعلمها خبراء الإستراتيجية أكبر بكثير من كل هذه الأمور.
العلاقات بين موسكو وطهران في حد ذاتها لغز غامض يستعصى تفسيره على الكثيرين، ولا يشك أحد في متانة وقوة هذه العلاقات، ولكن أحيانا تحتاج الدبلوماسية من موسكو أن تصرح وتفعل أشياء مخالفة للواقع.
ومن الخطأ أن يتصور البعض أن موسكو تخدع واشنطن وتظهر تأييدها لها ضد إيران، بينما تخفي دعمها الكامل لإيران. هذا غير صحيح بالمرة، وأكثر من يعرفون حقيقة وواقع العلاقات الروسية الإيرانية هم الأميركيون أنفسهم، ولا يستطيع أحد خداعهم في هذا الأمر، وواشنطن تعلم جيدا أن صبر روسيا على إيران بلا حدود، ولا أمل في أية ضغوط فعلية روسية على إيران.
ولكن أحيانا تحتاج الإدارة الأميركية لعمليات تجميل دبلوماسية، فتلجأ لدولة مثل روسيا لتساعدها وتوفرها لها، وهذا واقع الأمر بالنسبة لإدارة الرئيس أوباما الآن، وخاصة بعد هديته لروسيا بالتخلي عن نشر عناصر الدرع الصاروخي الأميركي في بولندا وتشيكيا، وما زال أوباما يأمل أن توافق موسكو على توقيع اتفاق الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع واشنطن قبل نهاية العام، حتى يكون هذا الاتفاق المبرر الواقعي لجائزة نوبل التي حصل عليها أوباما مؤخرا.
أما بالنسبة للعبة الإيرانية، فعلى ما يبدو أن قواعدها أصبح متفقا عليها بين جميع اللاعبين الكبار فيها، وواشنطن أصبحت تميل أكثر من غيرها لتهدئة الأمور، وإسرائيل توقفت عن تهديداتها لطهران، ولا مانع من بعض التشدد الروسي في إطار هذا المناخ الهادئ.
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي