منذ أكثر من عشرين عاماً أقامت إسرائيل الدنيا وأقعدتها، طرباً لنجاح أجهزتها الاستخبارية في نقل فئة واسعة من يهود الفلاشا الأثيوبيين إليها. لا نعرف ما الذي كانت تلك الأجهزة تبثه بين أبناء هذه الفئة على وجه التحديد، بحيث أقنعتهم بمغادرة مواطنهم الأم واقتلعتهم منها اقتلاعا، ثم ألقت بهم في المستودع الاستيطاني المدعو إسرائيل.

لكن المتصور بحسب السوابق وبالإحالة إلى الخطاب الدعائي الصهيوني التقليدي، أن الفلاشا وُعدوا بحياة أفضل اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.. ومع أننا لم نسمع عن تعرض الفلاشا لأنماط من الاضطهاد أو التمييز في المجتمعات الإفريقية التي عاشوا بين ظهرانيها آلاف السنين، إلا أن دعاة الدعاية الصهيونية لا بد وأنهم أثاروا لديهم مخاوف من احتمال تعرضهم لهكذا اضطهاد.. أو أنهم على أقل تقدير أغروهم بمستقبل أفضل ديمقراطياً وحقوقياً في إسرائيل؛ التي سيصبحون فيها يهوداً ينعمون بالمساواة التامة بين يهود آخرين.

الناس عموماً لا يغادرون بلادهم ومساقط رؤوسهم إلى مواطن أخرى، بقصد ممارسة حياة جديدة بالكامل، ما لم يتعرضوا لضغوط فوق الطاقة في بلادهم الأصلية، أو لإغراءات ووعود كبيرة تداعب طموحاتهم وتثير خيالاتهم حول المواطن الجديدة.

ولأن يهود الفلاشا كانوا يعيشون حياة تخلو من الضغوط الاستثنائية، قياساً بمواطنيهم في إثيوبيا وشرق إفريقيا، فإن الأقرب إلى المنطق هو أن قرارهم بالهجرة إلى إسرائيل خضع لغواية الوعود الصهيونية، بأكثر مما نجم عن الهروب من واقع مؤلم كانوا يعانون فيه. لقد تصوروا على الأرجح أن لديهم فرصة للإفلات من حياة مفعمة بمظاهر الفقر والفاقة، ليست متاحة لمواطنيهم الأفارقة..

فرصة تتأتى من كونهم يهوداً، وإلا لما جاء يهود آخرون يسعون لخلاصهم الأبدي في الدولة التي أنشأوها خصيصاً لليهود فقط. فما الذي حدث بعد ذلك؟

آخر أخبار هذه الجماعة أنها اكتشفت حجم الزيف والتضليل الصهيوني، الذي جعلها تلوذ من رمضاء إفريقيا بنار إسرائيل. ففي إفريقيا لم يسبق للفلاشا أن عيروا أو اضطهدوا بسبب لون بشرتهم أو ديانتهم أو بؤسهم الاقتصادي.. لكنهم يعانون بالفعل من هكذا معايرة وتمييز في إسرائيل.

أحد أبرز الأمثلة على هذا المصير المؤلم، أن مدارس مدينة بتاح تكفا ترفض استقبال أبناء الفلاشا، وتكدس الصعوبات أمام إلحاقهم بها بزعم عدم التأكد من يهوديتهم! ولو كانت المسألة تتعلق جديا بكون هؤلاء يهوداً من عدمه، فلربما هان الأمر. لكن الحقيقة أن الرفض هنا يتصل بالتمييز ضد الفلاشا، بسبب لون بشرتهم وسحنهم الإفريقية القحة.

الدليل على ذلك، وفقاً لمنظمة مكافحة التمييز ضد الفلاشا، أن مدارس بتاح تكفا وبقية المؤسسات الإسرائيلية، تستقبل بكل ترحاب أبناء مهاجري شرق أوروبا ذوي البشرة البيضاء، بدون أن تتوقف عند صدقية اعتناقهم اليهودية. بل إنها تفعل ذلك مع علمها اليقيني أحياناً بلا يهودية هؤلاء المهاجرين.

وعلى سبيل الاستحماق، تتعلل هذه المؤسسات بأن مهاجري شرق أوروبا ووسط آسيا قابلون للدمج والتهويد الاجتماعي، وذلك على خلاف الفلاشا. ومؤدى ذلك أن على هؤلاء الأخيرين تغيير لون بشرتهم كي يتحقق لهم شرط هذا الدمج والقبول!

تروي امرأة من الفلاشا كيف أن سائق إحدى الحافلات العامة، صرخ في وجهها بمجرد أن صعدت حافلته «الويل لمن أحضروكم إلى هنا...». المؤكد أن هذا الرجل لم يكن يعرف عن هذه المرأة أي شيء.. لقد كان سواد بشرتها وملامح وجهها الإفريقية، مسوغات كافية لردة فعله العنصري تجاهها بشكل تلقائي.

تجهم هذا السائق العنصري، ربما كان أقل وطأة من موقف ذلك المقاول الذي رفض بيع شقة لزوجين إثيوبيين «خوفاً من أن تنخفض قيمة الشقق في بنايته...».

نحن هنا إزاء يهود يميزون ضد يهود، تأسيساً على اللون. ولا علاقة هنا للإخلاص الديني ولا لدعوى القومية اليهودية بالأمر. يقول معلق إسرائيلي «لون بشرة الإثيوبيين (الفلاشا) هو مصدر عذاباتهم في إسرائيل..». وما دام الأمر كذلك، ألم يكن من الأجدر بالفلاشا والأوفق لكرامتهم، التشبث بمواطنهم الأم ومشاركة مواطنيهم الأفارقة حياتهم بما لها وما عليها؟

لقد بلغ أمر الفلاشا في المستودع الصهيوني الاستيطاني، أن اضطروا لابتداع منظمة تكافح مظاهر العنصرية اليهودية ضدهم.. ترى من سمع عن مثل هذه المؤسسة في إثيوبيا أو في عموم إفريقيا؟

الخدعة التاريخية التي باعت فيها الصهيونية وهم الحياة الناعمة المترفة لبؤساء الفلاشا، لا تقل شأناً عن الخدعة الأقدم التي روجت فيها الصهيونية لوهم الحياة الآمنة المستقرة ليهود أوروبا والغرب. واليوم تعد إسرائيل أقل بلاد الدنيا أمناً بالنسبة ليهود العالم طرا، وهي الأكثر تمييزاً ضد يهود الشرق، ومنهم الفلاشا.

بالمناسبة، فإن مدينة بتاح تكفا التي يأبى مستوطنوها «تلويث مدارسها» بأبناء الفلاشا السود، هي أول مستوطنة أقامها الصهاينة الأوائل على أرض قرية ملبس الفلسطينية، في أواخر القرن التاسع عشر.

وهكذا فإنه بعد أكثر من مئة عام على إنشاء هذه «المستخربة»، نجد أحفاد مؤسسيها يمارسون أوليات التمييز العنصري في حق يهود آخرين. ولو كانت الصهيونية بالنقاء والطهرية التي يدعيها أصحابها من الأولين والآخرين، لكانت هذه الحقبة الممتدة كافية لجعل بتاح تكفا مدينة على جبل، أي مثالية إلى أبعد التصورات. لكنها اليوم مجرد مستعمرة تتدثر بأخلاق حضيضية.

هذا بلاغ لبقية الفلاشا في إفريقيا، ولكل من يحاول المشروع الصهيوني حشرهم في معيته وتحت عباءته.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com