في تصريح أدلى به الرئيس الأميركي باراك أوباما في طوكيو في الرابع عشر من نوفمبر الجاري، مبتدأً جولة شملت بعض الدول الآسيوية، ومنها الصين، ذكر أن الولايات المتحدة ستعود لتلعب دوراً نشيطاً في منطقة آسيا المطلة على المحيط الهادئ، وأن بلاده لا تسعى إلى احتواء الصين.
والحقيقة أن الشق الأول من هذا التصريح لا يستحق التعليق، وذلك لأن الولايات المتحدة، كقوة عظمى، ترى أن أمنها القومي يتطلب منها أن تدس أنفها في كل بقاع الأرض، ناهيك عن اعتبار الفضاء الخارجي جزءاً حيوياً من هذا الأمن.
ولكن الشق الثاني من التصريح يستوجب التوقف عنده، وذلك لأهميته في تقدير الحجم الذي باتت تلعبه الولايات المتحدة، كقوة عظمى، في السياسة الدولية. فالحديث عن احتواء الصين يستحق الرثاء، طالما أنه لم يرد في سياق التندر.
منذ تسعينيات القرن المنصرم، تساءل المراقبون في السياسة الدولية، الغربيون بشكل خاص، حول التأثير الذي سيحدثه بزوغ الصين كقوة عظمى، على التوازنات الدولية ودورها في إضعاف القوى العظمى التقليدية، وتأثيرات ذلك على مستقبل العلاقات الدولية في ظل نظام عالمي جديد، يلعب فيه الشرق دوراً فقده منذ أفول الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن المنصرم. ها قد مضى أكثر من عقد من السنين على طرح تلك التساؤلات، و«المستقبل» الذي تحدث عنه هؤلاء، قد أصبح «الآن» الذي نعيشه بأحداثه اليومية.
الصين فرضت نفسها بقوة على الساحة الدولية، وباتت أهميتها على مستوى صناعة القرارات التي تخص الأسرة الدولية، أمراً مسلماً به لدى ساسة أميركيين بارزين، منهم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر. ففي مقالته الموسومة «الثورات الثلاث» التي نشرها في صحيفة الواشنطن بوست في يوليو 2008، ذكر أن إحدى الثورات التي يشهدها جيلنا الحالي هي انتقال سلطة القرار عالمياً من الأطلسي إلى الباسفيكي، وهو بهذا يشير إلى أن دور الصين يتجاوز دور الشريك في صناعة القرارات الدولية.
ما يشغل بال الولايات المتحدة حقاً ويقلق حلفاءها في اليابان وأستراليا، هو الدور الإقليمي المتصاعد للصين في شرق آسيا. كما يساور الولايات المتحدة بعض القلق من الاختراقات الهامة التي حققتها الصين في مجال تأمين حاجياتها من مصادر الطاقة، فهي تشتري النفط من أميركا اللاتينية والغاز من أستراليا، وقد دخلت بنجاح إلى القارة الإفريقية من أجل تنويع مصادر حصولها على النفط، وهي تمارس سياسة ذات طابع هجومي للحصول على مصادر الطاقة.
الدول التي سبقت الصين في حصولها على هوية الدولة العظمى، خاضت حروباً عديدة وطويلة وفي بقاع بعيدة جداً عن أرضها، مما مكنها من نشر نفوذها وثقافتها إلى ما وراء البحار، وكان لهذه الدول حلفاء وكان لها أعداء أيضاً. ولكن الصين ليست كذلك، فهي لم تخض سوى حرب محدودة مع جارتها الجنوبية، في خلاف على موقع خط ماكماهون الذي يرسم الحدود بين البلدين.
كما أن العالم لم يتعرف على الثقافة الصينية وآدابها كما تعرف على الأدب الإنجليزي أو الفرنسي أو الروسي. وليست للصين خلافات خطيرة مع جاراتها ترقى إلى مستوى العداء، سوى موقفها من حكومة تايوان المدعومة من الولايات المتحدة.
كان صعود الصين إلى مصاف الدول العظمى أمراً حتمياً، لأسباب عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها، ولكن لا أحد قد تصور حدوث ذلك بشكل سهل ودون عوائق ومن غير استعمال القوة وفي فترة زمنية وجيزة.
فالحقيقة أنه مما يبعث على الدهشة أن البيئة العالمية كانت خلال العقود الأخيرة عاملاً ساعد كثيراً على نهوض الصين، خاصة ان اقتصادها لم يكن رهينة في أطر نظرية سباق التسلح، إذ لم تكن الصين طرفاً في صراع سياسي يرهن اقتصادها الجامح.
عودة إلى قراءة ما قاله الرئيس الأميركي في تصريحه موضوع النقاش، وحديثه حول عدم سعي الولايات المتحدة إلى احتواء الصين.. هنالك أمثلة عديدة في التاريخ تبين كيف أن الحروب قد منعت دولاً من الصعود إلى مصاف الدول العظمى، كما حصل في الحرب العالمية الثانية حين سحقت فرص كل من ألمانيا واليابان، وهناك أمثلة أخرى تبين كيف نجح الحصار والاحتواء، من غير شن الحرب، في منع قوى هامة من الوصول إلى مصاف الدول العظمى أو منعها من الاستمرار كقوة عظمى أو القضاء عليها.
ومن الأمثلة في العصر الحديث نجاح الغرب في احتواء الاتحاد السوفيتي السابق، ونجاحه كذلك في تدمير أنظمة سياسية عديدة كان آخرها النظام العراقي السابق.
إلا أن للصين وضعاً مختلفاً، إذ يندر أن كان لدولة ما حجم في اقتصادات جميع دول العالم، ومن ضمنها الولايات المتحدة، كما هو الحال مع الصين التي تعتبر أكبر حائز منفرد للديون الأميركية، حيث يقرب حجم هذا الدين من ثمانمائة مليار دولار. وقد أشار الرئيس الأميركي أوباما في اللقاء المفتوح الذي جرى في ولاية نيو مكسيكو في الخامس عشر من مايو/ أيار المنصرم، إلى أن أبرز أزمة اقتصادية ستواجهها الولايات المتحدة حين تفقد بعض الدول الأجنبية، ومنها الصين، شهيتها لسندات الخزانة الأميركية.
كما أن الولايات المتحدة، رغم ممارستها لسياسة استفزازية تجاه بكين بين الحين والآخر، تارة بالتلويح بملف حقوق الإنسان، وأخرى بالحديث عن قضية التبت، تجد في إرضائها والتعاون معها مدخلاً مهماً لتحقيق بعض أجندتها، خاصة ما يتعلق منها بالملفين النوويين في بيونغ يانغ وفي طهران.
أحد عوامل الضعف والإعاقة لدى الصين هو الكثافة السكانية الكبيرة، إلا أن سياستها في تحديد النسل ستقدم حلاً لهذه المشكلة خلال جيلين، حيث من المتوقع أن ينخفض عدد السكان إلى النصف دون أن يتأثر حجم الإنتاج الاقتصادي، خاصة إذا اعتمدت الصين أساليب الإنتاج البضاعي الحديثة التي لا تستند إلى الأيدي العاملة، وسيساعد انخفاض عدد السكان في تحسين مستوى حياة الفرد الواحد.
نقطة الضعف الكبيرة لدى الصين هي حاجتها الكبيرة إلى مصادر الطاقة للحفاظ على معدلات النمو العالية، فرغم أنها خامس الدول المنتجة للنفط في العالم، إلا أنها ثالث الدول المستوردة له بعد الولايات المتحدة واليابان، وهي ثاني الدول في العالم في حجم استهلاكها لهذا المصدر الحيوي. فهل سيكون ذلك مدخلاً للاحتواء بعد عصر النفط؟
كاتب عراقي
