شغب الملاعب والتعصب آفة الرياضة بصفة عامة وآفة كرة القدم بصفة خاصة، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية في العالم، مباراة مصر والجزائر من أجل التأهل لبطولة المونديال العالمي هي فرحة كل عربي، فذهاب فريق مصر أو فريق الجزائر إلى كاس العالم، هو ذهاب لفريق عربي يمثلنا أمام العالم، وأن المباراة التي جلبت معها الألم والخلاف العربي العربي، لم تكن سوى مباراة فصل لاختيار ممثل العرب في الكرة، هكذا ببساطة وبمنطق الرياضة.
لكن ما حدث قبل المباراة وأثناءها وبعدها يوجب إعادة التفكير مليون مرة في مسألة الضرر الذي تراكمه هذه اللعبة الشعبية التي افتتن بها العالم، وافتتنا بها نحن العرب أصحاب الفروسية والشعر والحكمة والفراسة، إذا ما كانت ستأخذنا إلى مناطق مواجهة بين الأهل والأخوة والأشقاء وأبناء الدم الواحد.
ومثلما تعد الدول منتخباتها وتصرف عليها ملايين الدولارات من أجل تشريف البلاد ونيل الفوز والسبق وهذا حق اختياري لا غبار عليه، على الدول أيضا أن توظف هذه الدولارات لترتيب الكواليس، لا لتثوير الجمهور تحت مسميات «الشحن»و«الحماسة» و«التشجيع».
ليست مباراة مصر والجزائر نموذجا وحيدا تبرز فيه المشاحنات، ويبلغ به التعصب مبلغ الألم والجرح. الأمر يحصل في كل مكان، في الدول المتقدمة التي تمتلك ناصية العالم وفي الدول المتأخرة، بل يحدث الأمر في البلد الواحد نفسه، بين أنديته وفرقه، يحدث حتى عندنا هنا، لكن لماذا يحدث؟ ومن هو المسؤول عن إشعال فتيل التعصب إلى الدرجة التي تصل فيها إلى الإيذاء؟
هذا السؤال يرد عليه المثقفون والمفكرون العرب كلما طرحت عليهم ظاهرة شعبية كرة القدم، وظاهرة صرف المليارات عليها دون الثقافة والفكر. فالمثقفون والمفكرون يرون أن هذه سياسات لها علاقة بالإلهاء، وإغماض العيون، لها علاقة بتغيير اتجاهات التفكير وتسطيحه لدى المواطن العربي، ويقولون: إن العربي إذا ما انشغل في البحث عن رغيف الخبز ومباراة كرة قدم يلهث بصره وتلهث بصيرته خلف من يركلها، يوفر للسياسي المزيد من حبات «البندول»، ويزيح عن صدره وطأة الرأي العام وصوت الجماهير..
هكذا يخلص المثقفون والمفكرون دائما في أماسيهم الفكرية، حينما تشتعل عندهم الغيرة نتيجة اهتمام الدول بصرف المليارات على «كورة». أنا كمواطن عربي.. تصل مصر أو تصل الجزائر إلى مونديال عالمي هو فرحة بالنسبة لي، لأن هذا يؤكد ويوجد وجها من وجوه عروبتي في العالم، لكن أغضب ويجرح إحساسي، ويأكلني الحزن إذا ما مد أخي العربي يده على أخيه العربي الآخر.
