تتعدد التصريحات من مسؤولين وخبراء أميركيين حول بوادر عودة الانتعاش، ولا يتردد الكثيرون في الاحتفال كلما ارتفع مستوى داو جونز، وتتعالى الصيحات مطالبة بفتح الباب أمام عودة الأيام الطيبة إلى مسيرتها من جديد.
هذا كله لا بأس به بالنسبة للأميركيين، ولكن شريطة ألا ينظروا إلى العالم من حولهم، فالاقتصاد الحقيقي، وليس ما يجري في وول ستريت، لا يزال غارقا في الركود. وهناك 15 مليون شخص يعانون من البطالة، وعمليات شطب الوظائف لا تزال تتوالى، وثلثا من يعانون من البطالة، وهي النسبة الأعلى منذ بدأ الأميركيون في الاحنفاظ بسجلات من هذا النوع، مضت عليهم ستة أشهر، على الأقل، منذ فقدانهم لوظائفهم. ومن لا يزالون يحتفظون بوظائفهم يجبرون على العمل ساعات أقل، وصولا إلى متوسط يبلغ 33 ساعة أسبوعيا، وهو أقل متوسط خلال 60 عاما.
والدخول تتدنى، وفوائد الرعاية الصحية تتقلص، وخطط التقاعد تذهب أدراج الرياح، وفي الوقت الحالي يعتمد واحد من كل تسعة أميركيين على كوبونات الغذاء.
هذه إحصاءات أميركية على المستوى القومي، لكن المعاناة لا يتقاسمها الجميع، فواحد من كل أربعة مراهقين ليس لديه عمل، وعمال المصانع كانوا يفقدون وظائفهم منذ عقد من الزمان، وما عليك إلا أن تضاعف هذه الأرقام لكي تقترب من المعاناة السائدة في صفوف الأميركيين من أصول إفريقية.
إن المعدل الرسمي للبطالة الأميركية يتجه نحو 10%، ولكن هذا الرقم مضلل، فالمعدل لا يشمل أولئك الذين يعملون أقل من المعدلات السائدة، حيث يرغمون على العمل لبعض الوقت فقط أو العمل بصورة متقطعة، وهو لا يشمل المليوني شخص الذين دخلوا إطار قوة العمل منذ بدأ الركود، ولم يحصلوا على وظائف قط، ولا يشمل الملايين من العمال غير المدرجين في السجلات، الذين فقدوا وظائفهم، ولكن لم تكن لديهم وثائق توضح وضعيتهم. لقد فقد الأميركيون وظائف على امتداد 21 شهرا، والأمر يزداد سوءا.
من أين ستأتي الوظائف؟ لقد فقد المستهلكون تريليونات الدولارات من قيم بيوتهم ومدخراتهم، وهم حاليا يشدون الأحزمة. وأنشطة الأعمال تخفض كل شيء، وتجد من الصعب الحصول على الائتمان إذا أرادت أن تتوسع في أنشطتها. والحكومات المحلية وحكومات الولايات، تستغني عن المدرسين ورجال الشرطة.
وفي واشنطن، تقيد الأفكار المحافظة الإدارة الجديدة والكونغرس الديمقراطي. وقد صوت الجمهوريون بشكل جماعي ضد الحزمة التنشيطية للاقتصاد، والآن ها هم يرفعون أصواتهم عاليا ليصفوها بأنها منيت بالفشل.
ويتحدث المحافظون في كل من الحزبين عن العجوزات القياسية، متجاهلين أن هذه العجوزات ستظل مرتفعة إذا لم يعد الناس إلى العمل. ومن قبيل المفارقة أن العجوزات لم تسبب ارتفاعا في معدلات الفائدة، وهكذا فإن المخاوف كلها تدور حول ما قد يحدث، وليس حول الكارثة التي نواجهها الآن.
إن البطالة طويلة الأمد هي كارثة اجتماعية وإنسانية، تدمر العائلات، وتصيب الصغار بالشلل، وتهدد مواليد الستينات وهم يتطلعون إلى التقاعد، وتستأصل العمال المهرة الذين تمس الحاجة إليهم من أجل اقتصاد ناجح.
لقد آن الأوان للتحرك بجرأة، فالاحتياطي الفيدرالي الأميركي قام بما يقدر عليه، حيث أبقى معدلات الفائدة عند ما يقارب الصفر، والرئيس الاميركي باراك أوباما ساعد بخطته للتحفيز على إنقاذ الاقتصاد الأميركي من الانهيار الكامل، وهي خطة ستوفر المزيد من الوظائف خلال العام المقبل، ولكنها ليست كافية.
إن الأميركيين بحاجة إلى برنامج جريء للوظائف الفيدرالية، برنامج يدوم أكثر من عام، وعلينا أن نوجد الوظائف للشباب حتى لا تهدر حياتهم في اليأس والمخدرات والجريمة، وعلينا أن نحشد فرقا حضرية لتنظيف المدن الأميركية، وفرقا خضراء لتنظيف منازلنا وبناياتنا السكنية، وفرقا للبرية لإحياء الحدائق الوطنية وغرس الأشجار على امتداد البلاد وأحياء الضواحي.
علينا القيام بإنشاء بنك قومي للبنية التحتية، يستمد رأسماله من الحكومة الفيدرالية التي يتعين عليها أن تخصص له 50 مليار دولار سنويا، ويكون بوسعه، بضمانات فيدرالية، اقتراض مبالغ تصل إلى أربعة أو خمسة أمثال هذا الميلغ، ويبدأ في القيام بالاستثمارات المهمة في القرن الحادي والعشرين والضررورية لأميركا.
علينا أن نقدم المساعدات للولايات والمجتمعات المحلية، حتى لا يتم شطب وظائف المدرسين ورجال الشرطة وجعل الركود أسوأ مما هو عليه. علينا أن نزيد توافر كوبونات الغذاء وتوسيع نطاق إعانات البطالة، علينا القيام بالاستثمار في العيادات العامة لمساعدة من هم أكثر تعرضا للأمراض، فهم سينفقون المال وسيساعدون على تنشيط الاقتصادات المحلية.
وبالنسبة لمن يشعرون بالقلق حيال العجوزات، عليهم بفرض زيادات ضريبة توا على الأميركيين الأكثر ثراء، وضرائب على التعاملات للحد من المضاربات ولتمويل هذا كله، والقيام بإلغاء ذلك في غضون عامين من الآن، إذا عاد الناس إلى العمل ووقف الاقتصاد الأميركي على قدميه مجددا.
سيحدث هذا ضجيجا لدى من يشعرون بالقلق حيال التضخم المستقبلي أو تآكل قدرة أميركا على الاقتراض، ولكن من الحماقة قبول كارثة إنسانية الآن بسبب مخاوف مستقبلية من تأثيرات جانبية.
إن الأولوية الأولى هي إعادة الناس إلى العمل، ثم التعامل مع النتائج. وعلينا ألا نتجنب القيام بما هو صواب، لأنه قد يسبب صعوبات في المستقبل. لقد آن الأوان لجعل أميركا قوية من جديد، من الداخل إلى الخارج، ومن أخمص قدمها إلى قمة رأسها.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية