هناك في واشنطن تيار معادٍ لروسيا، من منطلق موروثات الحرب الباردة في القرن الماضي، وهذا التيار لا يرغب في أي تفاهم بين واشنطن وموسكو، ويدعم النزعة العدوانية تجاه روسيا لدى بعض الدول الصغيرة المجاورة لها، مثل جورجيا وأوكرانيا وبولندا وتشيكيا، وظهر هذا الأمر واضحا مؤخرا في بولندا.

فبعد قرار الرئيس أوباما في منتصف سبتمبر الماضي، بتخلي الولايات المتحدة عن قرارها نشر عناصر الدرع الصاروخية في أراضي بولندا وتشيكيا، وهو القرار الذي أصاب قادة البلدين بصدمة وخيبة أمل في الحليف الأميركي الذي فضل مصالحه مع روسيا على مصالح حلفائه، قام نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن بزيارة لبولندا في 22 أكتوبر الماضي.

وصرح هناك بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن بولندا وستدعمها عسكريا وتزودها بصواريخ اعتراضية متوسطة وقريبة المدى، بدلا من منظومة الدرع الصاروخية الكبيرة، وأكد بايدن للبولنديين أن واشنطن ما زالت تنظر إليهم كحلفاء استراتيجيين في وسط أوروبا.

ولكن البولنديين لم يكتفوا بتصريحات بايدن وطمعوا في المزيد، وأدلى وزير خارجية بولندا، رادوسلاف سيكورسكي، للصحافيين في واشنطن في الخامس من نوفمبر الجاري، بتصريحات أثارت زوبعة على الساحة الدولية، حيث طالب سيكورسكي حلف شمال الأطلسي بنشر قواته في أراضي بولندا، خشية هجوم عسكري روسي متوقع عليها.

وقال وزير الخارجية البولندي في تصريحاته أثناء زيارته لواشنطن، إن وسط أوروبا يحتاج إلى إنعاش عسكري استراتيجي من الولايات المتحدة وحلف الناتو، وأن بولندا العضو في حلف الناتو لا يوجد على أراضيها سوى ستة أفراد فقط من قوات الحلف كلهم أميركان، بينما روسيا تجري مناورات عسكرية مشتركة مع بيلاروسيا مباشرة على حدود بولندا، تشارك فيها قوات كبيرة بأسلحة حديثة وتجري فيها تدريبات على هجمات على شواطئ بولندا وعلى خطوط أنابيب الغاز المارة في أرضها.

وتطلق روسيا عليها اسم مناورات «الغرب 2009»، وقال سيكورسكي: «كيف نشعر بالأمن وبجوارنا قوات كبيرة تتدرب على الهجوم على أراضينا؟». وطالب واشنطن والناتو بسرعة نشر صواريخ وقوات على أراضي بولندا!

من الواضح أن بولندا كعضو في حلف الناتو، تشعر بأنها مهمشة ولا قيمة لها بين دول الحلف، كما تشعر بإجحاف الحلف لها، ولا يرضيها أن تكون الدولة الوحيدة في الحلف التي تخلو أراضيها من أي تواجد لمنشآت أو وحدات عسكرية تابعة للحلف، وتسعى لإثبات وجودها باللعب مع الكبار.

موسكو من جانبها لم ترد رسميا على تصريحات وزير الخارجية البولندي ولم تعرها اهتماما، وحتى واشنطن أيضا لم تعط اهتماما واضحا لتصريحات الوزير البولندي.

فقد علق مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية فيليب جوردون على هذه التصريحات قائلا «إن وسط وشرق أوروبا جزء أساسي من حلف الناتو، ومشمول بحماية الحلف مثل غيره من باقي الأجزاء، ولكن طلب وزير الخارجية البولندي بنشر قوات للحلف على أراضي بولندا، من وجهة نظر واشنطن، ليس أمرا عسكريا، بل سياسيا، وهو قضية كبيرة وليست سهلة، لأنها ستشكل في أغلب الظن عقبة كبيرة أمام عملية تحسين وتفعيل العلاقات الأميركية ـ الروسية، وهي العملية التي يوليها الرئيس أوباما اهتماماً كبيراً الآن.

خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل التي يريد أن يبررها بتوقيع اتفاق جديد للحد من الأسلحة الاستراتيجية مع موسكو، بديلا للاتفاق الذي سينتهي في ديسمبر المقبل، ولهذا من المستبعد أن تستجيب واشنطن لأية طلبات لبولندا من هذا القبيل في الوقت الحالي».

لعبة بولندا الصغيرة مع الكبار، لن تفيدها في شيء، مهما دعمها التيار المعادي لروسيا في واشنطن.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com