يحلو للبعض أحيانا أن يتصور وجود خلافات بين الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين، وأحيانا تعكس وقائع ما يشبه أو يوحي بالفعل بوجود خلافات بين الاثنين، فكثيرا ما يوجه الرئيس ميدفيديف انتقادات صريحة وواضحة لعمل الحكومة، لكننا لم نسمع رئيس الحكومة بوتين ولا مرة واحدة يعترض على الانتقادات الموجهة لحكومته، بل كثيرا ما يؤيدها ويزيد عليها، ولم يصدر من بوتين ولا مرة واحدة أي انتقاد لعمل الرئاسة والكريملين.

وربما يقول البعض إن هذا أمر غير مقبول من رئيس الحكومة، ولكن بوتين ليس فقط رئيس وزراء، بل هو أيضا زعيم أكبر حزب في الدولة «روسيا الموحدة» الذي يشغل أكثر من نصف مقاعد البرلمان، ومن حق هذا الحزب توجيه انتقادات لعمل رئيس الدولة، مثله مثل باقي الأحزاب، ولكن هذا لم يحدث، ولا يتصور أحد حدوثه.

مؤخرا ظهرت بعض التغييرات في ممارسة الأدوار بين الزعيمين ميدفيديف وبوتين، حيث لم يعد بوتين يعلن عن لقاءات تجمعه مع قادة الأحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان. ورأى مراقبون أن هذا يدل على «إعادة توزيع للأدوار داخل الثنائي الحاكم» في روسيا، ويقول مصدر قريب الصلة من مكتب الرئيس ميدفيديف، إن مسؤولية التعامل مع المعارضة ألقيت على رئيس الدولة، في حين تفرغ بوتين للتعامل مع «حزب السلطة»، لأنه بحاجة إلى حزب يساعده على تحقيق أهداف محددة في المستقبل، قد يكون منها العودة للرئاسة.

المعارضة البرلمانية، وخاصة الشيوعيون، يسعون دائما للصيد في الماء العكر، ويصدقون أن هناك بالفعل خلافات بين بوتين وميدفيديف، فيحاولون تضخيم هذه الخلافات واستغلالها، فقد صرح غينادي زيوغانوف، رئيس الحزب الشيوعي الروسي، في 31 أكتوبر الماضي قائلا: «إننا نرى أن التعاون بين بوتين وميدفيديف لا يجدي نفعا، وأن الحكومة التي يرأسها بوتين لا تستطيع تحقيق الأهداف التي حددها الرئيس ميدفيديف».

وذكر زيوغانوف في كلمة ألقاها داخل حزبه، أن ميدفيديف دعا إلى التخلص من موظفين مفسدين ومن رجال أعمال لا يحركون ساكنا لأجل مساعدة بلادهم على تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها روسيا، وقال إن رئيس الدولة يقصد أشخاصا في حكومة بوتين. وبالفعل خرج المشاركون في المظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي في ذكرى الثورة الاشتراكية في 7 نوفمبر، يطالبون بإقالة حكومة رئيس الوزراء بوتين.

ورأى الشيوعيون أن ميدفيديف كشف عن امتعاضه من السياسة التي ينتهجها رئيس الوزراء بوتين، عندما دعا إلى ضرورة إخراج روسيا من طريق مسدود في المجال الاقتصادي، بتنويع اقتصادها حتى يكف عن الاعتماد على الصناعة الاستخراجية وحدها.

من الواضح أن دعم وتأييد الشيوعيين لميدفيديف ضد بوتين ليس إيمانا منهم بسياساته وأفضليتها على سياسات بوتين، بل هي عمل تكتيكي ولن يستمر طويلا، لأن بعض مواقف الرئيس ميدفيديف تقلق الشيوعيين، وبالأخص موقفه من الماضي السوفيتي، إذ قال ميدفيديف إن نظام الحكم السوفيتي الذي أداره ستالين ارتكب جرائم في حق الشعب، في حين اعتبر بوتين زوال الاتحاد السوفيتي بمثابة طامة جيوسياسية كبرى، ورغم هذا يدعم الشيوعيون ميدفيديف ضد بوتين، «يا له من نفاق».

محاولة الشيوعيين للعب على وتر التناقضات الافتراضية بين ميدفيديف وبوتين لن تسفر عن شيء، وميدفيديف لن يعلن نفسه شيوعيا ولن يضع نفسه في مواجهة مع بوتين لأجل خطب ود الشيوعيين، وما بين بوتين وميدفيديف هو أمر خاص للغاية لا يعرفه إلا القليلون من المقربين منهما، وهو ما يمكن وصفه بتوزيع وتبادل أدوار ومواقع، في إطار سياسة واحدة وأهداف مشتركة.

خبيرة الإعلام الروسية

mekhaelovna@mg.ru