تثير الأحداث الجارية في اليمن حاليا، أي النزاع بين السلطة اليمنية والحوثيين المستمر منذ فترة زمنية ليست بقصيرة، ونشاط القراصنة الصوماليين، الذي شهد تطورا نوعيا وكميا في الأشهر الأخيرة، الحديث حول ضرورة البحث عن منظومة أمنية لمنطقة البحر الأحمر، في ظل المطالب المتعددة بتدويل المنطقة وإعطاء القوى الدولية الحق في التدخل من أجل إعادة الاستقرار إليها، خاصة وأن الأحداث توحي بأن دول المنطقة فشلت في إيجاد هذا الاستقرار واستمراره.
والذي دفع المراقبين إلى توقع تدويل أمن منطقة البحر الأحمر، هو أن البحر الأحمر يعد من الناحية الجيواستراتيجية أهم ممر ملاحي لنقل البترول العربي إلى الدول الأوربية والولايات المتحدة، كما أنه ممر عبور السلع الصناعية من هذه الدول إلى قارتي آسيا وإفريقيا.
وللبحر الأحمر أيضا أهمية عسكرية لا تقل عن ذلك لدى الولايات المتحدة، التي استخدمته إبان حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت، كما أنه أداة الربط بين أسطولها السادس في البحر المتوسط، والخامس في الخليج العربي الموجود قبالة سواحل البحرين، وأيضا أسطولها السابع الكائن في المحيط الهندي.
وبالتالي فإن دول المنطقة إن لم تسع بجدية إلى تشكيل منظومة أمنية للبحر الأحمر، ستجد نفسها منخرطة في منظومة أخرى مختلفة تحقق مصالح القوى الدولية المعنية بالبحر الأحمر، ويمكن ألا تضع في الاعتبار المصالح المحلية لدول الإقليم.
ولا شك أن تطورات تصاعد الأحداث الأمنية في منطقة القرن الإفريقي التي تطل على البحر الأحمر، تنذر بتهديد السلامة البحرية في هذا الممر المائي البالغ الأهمية بالنسبة للعالم جيوسياسيا واقتصاديا. ومع استمرار التدهور الأمني في الصومال، والتحرشات على الحدود بين الجارتين اللدودتين إثيوبيا وإريتريا.
إضافة إلى النزاع المتصاعد في إقليم الأوغادين بين الصومال وإثيوبيا، فضلا عن الاقتتال المستمر في اليمن بين الحوثيين والدولة، والذي اضطرت المملكة العربية السعودية إلى الدخول فيه حماية لأراضيها من تسلل الحوثيين إلى داخلها، فقد وصلت درجة الخطورة في الشريط الساحلي للبحر الأحمر في هذه المنطقة إلى ذروتها.
ويرى مراقبون لمجريات الأحداث في منطقة البحر الأحمر، أن الذي أوصل التوتر إلى هذه الدرجة في هذه المنطقة الحيوية من العالم، هو قيام إثيوبيا حليفة الولايات المتحدة بتدخل عسكري مكثف في الصومال، انتهى بعزل المحاكم الإسلامية عن الخارطة السياسية. ومعلوم أن هذه الخطوة دفعت إريتريا بدورها إلى دعم الإسلاميين لمحاربة الإثيوبيين بالوكالة عنها.
ومن ثم تحولت أرض الصومال إلى معترك فسيح لتصفية الخلافات بين الأعداء، وفي الوقت نفسه وفرت فرصة للإدارة الأمريكية لتحقيق أجندة خفية تسعى لتحقيقها في المنطقة، من خلال قاعدتها العسكرية في جيبوتي المجاورة.
وفي ظل هذه الظروف استشرت ظاهرة القرصنة البحرية في هذا الممر الحيوي، فلا يكاد يمر أسبوع دون الإعلان عن قيام قراصنة باختطاف ناقلة واحتجاز طاقمها. ولا تخفى انعكاسات مثل هذه العمليات التي أصبحت روتينية، على أمن المنطقة المطلة على البحر الأحمر بأكملها، بل على الاقتصاد العالمي برمته.
ولا شك أن البحث عن المنظومة الأمنية من قبل دول المنطقة نفسها، لا بد وأن يتضمن فضلا عن السعودية واليمن ومصر ودول شرق إفريقيا المطلة على البحر الأحمر، دول الخليج العربي التي ترتبط تجارتها بالبحر الأحمر وهى ذات مصلحة في استقرار هذه المنطقة وعودة الهدوء لها.
ومن المعلوم أن هناك ست دول عربية هي: مصر، السودان، جيبوتي، الأردن، اليمن، والسعودية، تطل على البحر الأحمر، إضافة إلى إسرائيل وإريتريا التي هي في الأساس دولة عربية، وإن كانت قد أدارت ظهرها للعرب منذ استقلالها عام 1993 بإيعاز إسرائيلي أمريكي. ويجعل هذا الأمر البحر الأحمر عمقا للأمن القومي العربي على اعتباره أشبه ببحيرة عربية، لا سيما وأن إسرائيل ليس لها سوى منفذ صغير عليه عند خليج العقبة، وهو منطقة أم الرشراش العربية المعروفة الآن باسم إيلات.
ومن هنا جاء طرح اليمن لفكرة تعريب أمن المنطقة، لكنها حسب رأي الباحث بدر حسن شافعي، قد تقابل بإجهاض من المجتمع الدولي، تماما كما أجهضت الدول العربية الفكرة الإسرائيلية الخاصة بتدويل هذا البحر، أي تدويل المناطق الحساسة فيه مثل قناة السويس، وخليج العقبة، وباب المندب؛ ومن ثم فإن أي طرح عربي، لا بد أن يضع في الاعتبار الدول صاحبة المصالح الاستراتيجية في البحر الأحمر، خاصة الولايات المتحدة، من حيث إن هذا التعاون ليس موجها ضد بلد معين، وإنما لحماية أمن ومصالح دول المنطقة.
ولكي تنجح الدول العربية في أن تكون هي صاحبة المبادرة الخاصة بالمنظومة الأمنية للبحر الأحمر، عليها أن تحصل على موافقة ودعم الدول الإفريقية المطلة عليه، وهذا لن يتأتى إلا بأن يتضمن المشروع العربي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وهو الأمر الذي يمكن أن يعطي ثقلا لدول الخليج العربي، بل ولإيران التي ترتبط مصالحها الاقتصادية أيضا بالاستقرار في منطقة البحر الأحمر.
فهذا الأمر يمكن أن يساعد على دعم الدول الإفريقية للمشروع العربي، من جهة، فضلا عن أن المشروع نفسه ولكي أن يكون شاملا وفعالا، لا بد وأن يتضمن بعدا اقتصاديا اجتماعيا، لأن قدرا كبيرا من الفوضى وعدم الاستقرار الذي تشهده دول المنطقة، وأدى إلى غياب الأمن والاستقرار عن منطقة البحر الأحمر، يرجع إلى عوامل اقتصادية واجتماعية داخلية في بعض الدول المطلة عليه.
إن البحث عن هذه المنظومة الأمنية أصبح أمرا ملحا في الوقت الراهن، ليس فقط بسبب ما تأثرت به مصالح الدول المطلة على البحر الأحمر من ضرر بسبب التوتر في الدول المطلة عليه، ولكن أيضا لأن الدول الغربية متربصة من أجل تدويل المنطقة، وهذا التدويل يمكن أن يبدأ من وضعه تحت رعايتها من الناحية الأمنية.
كاتب مصري
