كنا نتحدث بالأمس عن المساحات المتاحة للشباب للتعبير عن طاقاتهم وإبداعاتهم، وقلنا إن واقع الحال يوجب أن تزداد تلك المساحات اتساعا لأنها تسهم بشكل مباشر وغير مباشر في فتح جوانب رعاية لجيل يافع صار عرضة للتسطيح والاستغلال، وجيل يغرق في بحر من الثقافة الاستهلاكية..
وبالإمكان أن نضرب مثالا واضحا لمثل هذه المساحات التي يحتاجها شبابنا في جميع الميادين، فهذه الأيام تنطلق فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان دبي لمسرح الشباب، هذا المهرجان ولد قبل ثلاث سنوات تقريبا من خلال ورشة صيفية عادية، ولكن لأن طموحات القائمين عليها كانت موازية لطموحات الشباب، تحولت الورشة الصغيرة إلى مهرجان كبير وواسع يفتح المجال أمام جميع الشباب من هواة المسرح والراغبين في التعرف عليه.. هيئة دبي للثقافة والفنون انتشلت تلك الورشة الصغيرة إلى حلمها الكبير، وبتنظيم ودعم وبلورة أهداف صار هناك مهرجان سنوي يلجأ إليه الشباب.
اليوم يلتقي عشرات من الشبان في مقر ندوة الثقافة والعلوم يشاهدون عروضا مسرحية أنتجوها هم وأقرانهم، يتحدثون حولها، يتنافسون على جوائز مسابقاتها، يديرون مواضيع مهمة حول الهوية والوطن والتراث والأصالة والقضايا الإنسانية، وبالأخص القضايا الشبابية، عبر فن المسرح.. أعمال جادة، وذات خطاب فكري وفني يحترمه المشاهد والمتابع، هذه الحالة هي واحدة من أفعال مقاومة الثقافة الاستهلاكية التي يتعرض لها شبابنا، وتجعلهم ينشغلون بإنتاج ثقافتهم، ويقتربون من قضاياهم وقضايا وطنهم وأمتهم، وتحجبهم عن الضياع والفلتان.
وبالأمس وعند افتتاح أعمال الدورة الثالثة لهذا المهرجان، صرحت هيئة دبي الثقافية أنها من خلال المهرجان تفتح أبواب التلفزيون للهواة من الشبان عبر شراكتها مع مؤسسة دبي للإعلام، وبالأمس أيضاً أعلنت وزارة الثقافة عن تكريم العروض المميزة بجعلها تطوف الإمارات في احتفالات العيد الوطني، كما تبرز مبادرة من على البعد تشير إلى نية الهيئة العربية للمسرح لرعاية مشاركة العرض المميز في المهرجان العربي الثاني الذي سيعقد في تونس في يناير المقبل.. هكذا صارت الورشة الصيفية الصغيرة مساحة واسعة المدى من الطموحات وتحقيق الأحلام لشباب انتظروا طويلا على رصيف الفراغ.
ليس المسرح وجه كل الشباب، فهذا نموذج مصغر لأسلوب فتح الحاضنات الشبابية التي بإمكانها أن تنتشلهم من الثقافة التي تنهمر عبر الفضاء كثيرها غث وهادم، فإذا ما ذهبنا باتجاه الشباب بكل طاقاتنا وإمكاناتنا وفتحنا لهم مساحات واسعة في المدى واحتضناهم وحفزناهم فنحن نعمل باتجاه إعداد جيل المستقبل، إعداداً عملياً لا شعارات ولا خطب ولا كلام على ورق.
