كان حال جيلي أنا وإخوتي مع عقدة الخواجة، مختلفا عن حال أبى وجيله، وكذلك بالطبع عن حال جدي وجيله، إذ كان كل ما نتعرض له في المدرسة أو في حياتنا اليومية، وفي الحياة الثقافية السائدة في صبانا ومطلع شبابنا، يعمل على ترسيخ هذه العقدة، عقدة الاعتقاد بأننا ننتمي إلى أمة أقل شأنا من الأمم الغربية.
من ذلك مثلا، ما أصبحت تحتله اللغة الأجنبية من أهمية في حياتنا. إن جدي لم يشعر قط بحاجته إلى تعلم لغة أجنبية، إذ ما الذي يمكن أن يجلبه ذلك من تقوية إيمان المرء أو جعله مسلما أفضل مما كان؟ أما أبي فلم يبدأ في تعلم لغة أجنبية إلا في منتصف العشرينات من عمره، ومن ثم ظلت الأسس الراسخة لثقافته مستمدة من التراث.
ولكن أبي عندما رزق بأول أولاده خلال الحرب العالمية الأولى، كان قد استقر رأيه على أن أفضل مدرسة يمكن أن يرسل إليها هذا الابن هي «مدرسة الفرير»، حتى يتعلم لغة أجنبية منذ نعومة أظفاره. لم يكرر أبي هذا مع بقية الأولاد، فأرسل الباقين كلهم إلى مدارس حكومية تحاول الجمع بين الثقافتين، ولكنها كانت ترسخ فينا بدون وعي منا «أفضلية الأجنبي» (وبالذات الغربي) على «الوطني»، وأفضلية «المعاصر أو الحديث» على القديم.
أذكر جيدا كيف أنه حتى السبعينات على الأقل (أي حتى قاربت الأربعين من العمر)، كانت كلمة «بلدي» شائعة الاستعمال لوصف الأنواع الرديئة من السلع أو الذوق أو السلوك. لقد اختفت هذه الكلمة من الاستعمال اليوم، أو كادت، وحلت محلها كلمة «بيئة»، ولكن كلمة «بلدي» كانت أقوى بكثير في التعبير عن عقدة الخواجة.
فالخبز «البلدي»، هو الخبز الأرخص والأقل نقاء، والذي يفضل عليه دائما الخبز الأجنبي متى كان متاحا. والهدية الفاسدة الذوق، إما بألوانها الصارخة أو عدم ملاءمتها للمناسبة التي تقدم فيها، هي أيضا «بلدي»، وكذلك التحدث بطريقة غير مهذبة، أو الرقص بهز البطن.. الخ. كيف ترسخ هذا الشعور بأن أي شيء «بلدي» أسوأ من أي شيء «إفرنجي»؟
كنا في الشارع نرى من يلبس البدلة الأوروبية، أو القميص والبنطلون، وكذلك من يلبس الجلباب، فكان الأول، في كل الأحوال تقريبا، يبدو أعلى دخلا وأكثر نظافة من الآخر ويلبس حذاء، بينما كثيرا ما يسير الآخر حافيا. وفي وسائل المواصلات كان الإفرنجي دائما أسرع وأنظف من البلدي، إذا قارنا الترام أو المترو أو حتى الدراجة والموتوسيكل، بالعربة الكارو أو الحنطور.
وفي المدرسة كان مدرس اللغة العربية (وكان عادة هو أيضاً مدرس الدين)، وإن كان رجلا طيبا جداً، يعتبر في نظرنا «بلدي» بالمقارنة بمدرس اللغة الإنجليزية. وقد أثر هذا على موقفنا من اللغتين، فعاملنا اللغة الإنجليزية، مثلما عاملنا مدرسها، باحترام أكبر مما عاملنا به اللغة العربية. من المؤكد أن السبب لم يكن أن اللغة العربية أقل جمالا أو أقل قدرة على التعبير عما في النفس من الإنجليزية، ولا أن قواعد النحو في اللغة العربية أبعد عن المنطق.
كل ما في الأمر أن طريقة تدريس اللغة العربية والأدب العربي والدين، كانت أقل ملاءمة لسن التلاميذ من طريقة تدريس الإنجليزية، هذه الطريقة التي تعرضت للتطور منذ بداية النهضة الأوروبية، حتى أصبحت مستساغة تماماً من جانب التلاميذ (أو على الأقل أكثر قابلية للاستساغة). العيب إذن لم يكن في المادة نفسها، بل في طريقة تقديمها، كما أدركت فيما بعد، ليس فقط في ما يتعلق بتدريس اللغات، بل وبجوانب كثيرة أخرى من الحياة، نعلي فيها من شأن الحضارة الغربية بالمقارنة بحضارتنا.
حدث لنا شيء مشابه في موقفنا من الموسيقى، إذ من أين كان يمكن أن يأتينا حب أو تقدير الموسيقى العربية؟ كانت أجمل الأغاني العربية القديمة (التي لم أكتشف جمالها إلا بعد سن الثلاثين)، لا تذاع إلا نادرا في الإذاعة المصرية، وفي ساعات متأخرة من الليل. والأفظع من هذا وذاك، أن المغنّين الذين كانوا يؤدون هذه الأغاني في صباي، كانوا يحظون منا بدرجة من السخرية (تقرب من الاحتقار)، لا أجد لها الآن أي مبرر على الإطلاق.
فما الذي كان يعيب صالح عبد الحي مثلا، عندما كان يغنى ألحان محمد عثمان، إلا أنه كان يغنى بطريقة يعتبرها الغربيون الآن (ونحن بالتالي) مملة وبطيئة أكثر من اللازم؟ وأن كلماتها لم تعد مألوفة اليوم، بينما كانت عادية تماماً ومألوفة في نهاية القرن التاسع عشر، مثل الإشارة إلى الحبيب بكلمة «يا سيدي»، أو اعتبار «الوصل» شبه مستحيل بسبب ما كان شائعاً وقتها من فصل تام بين الجنسين؟ ما علاقة هذا على أي حال بجمال الموسيقى وقوة تأثيرها في النفس؟ الذي حدث أن الافتتان بكل جديد، وبالطريقة الجذّابة التي يقدم بها، جعلنا نُفتن أيضاً بكل ما هو غربي ونحتقر كل ما لدينا من قديم.
كانت السينما مصدراً مهما من مصادر المتعة والترفيه في سنوات الصبا ومطلع الشباب، وكان للسينما المصرية عندما بدأت أفهم قصص الأفلام في أوائل الأربعينات، تاريخ لا بأس به، بل وأنتجت بعض الأفلام في الثلاثينات مما لا أزال أعتبره من أظرف ما رأيت من الأفلام على الإطلاق ومن أتقنها تمثيلا. ولكن المدهش أن تقديري الشديد لهذه الأفلام (وكذلك تقدير كثيرين من جيلي لها) لم يحدث إلا بعد أن أخذت تضعف عقدة الخواجة، بل وبعد ظهور هذه الأفلام بأكثر من ثلاثين عاماً.
نعم، كان معظم الأفلام المصرية في ذلك الوقت مفرطا في رومانسيته ومبالغاته، مما لم ينطل علينا حتى ونحن صبية صغار، ولكنى أزعم أنه في حالة السينما أيضاً، كما كانت الحال مع اللغة والموسيقى، كان مصدر الجاذبية هو الطريقة التي كان يقدم بها العمل الفني، وربما أيضا التجديد المستمر فيه، أكثر من عناصر الجمال الذاتي أو درجة العمق. بعبارة أخرى، كان الثراء وسرعة التغير سببين مهمين لجاذبية ما يأتينا من الغرب، أي لوقوعنا بسهولة في براثن عقدة الخواجة.
بينما كان الفقر وبطء التغيير سببين مهمين لاحتقار ما هو وطني أو «بلدي»، ومنعانا من رؤية أوجه الجمال الحقيقية فيه، مثلما تنجح المرأة في جذب الأنظار إليها وتحويلها عن امرأة أخرى أجمل منها، لمجرد أن الأولى تستطيع أن تنفق أكثر على إبراز مفاتنها، ولا تكفّ عن تغيير ما ترتديه من ثياب أو ما تتحلى به من مجوهرات.
